ومن أوامره الوحدة وعدم التفرق:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) [1] .
ومن أوامره .. ومن أوامره .. ومن أوامره ..
وحين يقوم الصبر والتقوى كما أرادهما الله فمن أين ينفذ العدو إلى هذا الدين؟!
كذلك فهمت الأجيال الأولى أوامر الله وتوجيهاته ..
إن هذا الدين هو خير الدنيا والآخرة كما أخبر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ولكن هذا الخير لا يتحقق بمجرد التصديق والإقرار كما أوحي الفكر الإرجائي للمسلمين في عهودهم الأخيرة. بل لا بد من جهد يبذل. وبغير هذا الجهد لا يتحقق شيء.
إن دين الله ليس فيه أزرار سحرية يُضْغَط عليها فتحل مشكلات البشر تلقائيًا! إنما الجهد المبذول من البشر، ومقدار هذا الجهد، هو الذي يتوقف عليه حل مشكلاتهم وإقامة حياتهم على أسس سليمة. فإذا عنّ لسائل أن يسأل: ما الفائدة إذن من اتخاذ دين الله منهجًا للحياة إذا كانت الثمرة لا تأتي إلا بالجهد المبذول؟ وما الفرق بين دين الله وأديان الجاهلية إذا كان الجهد في الحالين هو الذي يجعل الثمرة تثمر؟! فالرد على ذلك أن الفرق كامن في نوع الثمرة لا في الجهد المبذول لإخراجها. فالثمرة الطيبة كالثمرة الخبيثة، تحتاج إلى تهيئة الأرض، واستنبات البذرة، ومداومة رعايتها بالري والتغذية حتى تثمر. ولكن شتان بين هذه الثمرة وتلك. إحداهما -بعد الجهد الذي يبذل فيها- سامة، وإن بدت حلوة المذاق، والأخرى طيبة النكهة طيبة الغذاء.
والمنهج الرباني مثله كمثل البذرة التي تبذر في الأرض. هو في حاجة إلى ذات الجهد المبذول في أي نظام آخر، في تربية الناس على مفاهيمه، وتعهدهم لكي لا ينحرفوا عنها، وبذل الجهد في مقاومة آفات النفس التي تؤدي إلى الانحراف. ثم في النهاية -بعد الجهد المبذول- يكون لدينا نظام متفرد في كل شيء. فهو وحده الذي يضمن للناس الجنة في الآخرة. وهو أعدل نظام وأشمل نظام يمكن أن يطبقه البشر في حياتهم الدنيا، يمنحهم الحرية الحقيقية والكرامة الحقيقية، والأمن والطمأنينة والبركة والاستقرار.
والمسلمون الأوائل رضي الله عنهم فهموا هذا الأمر جيدًا من كلام الله ومن توجيهات الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
(وَقُلِ اعْمَلُوا .. ) [2] .
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) [3] .
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا .. ) [4] .
وعلموا أن هذا الدين لا يؤتي ثماره بمجرد أن تؤمن قلوبهم أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أن ينطقوا بالشهادتين بألسنتهم .. إنما بأن يعملوا بمقتضيات لا إله إلا الله فيحولوها إلى حقيقة واقعة. ومقتضيات لا إله إلا الله هي الدين كله الذي أنزله الله على عباده .. وبمقدار ما يعملون بمقتضياتها تكون مكانتهم في الدنيا والآخرة. وبمقدار ما ينكلون عن العمل بمقتضياتها تتزلزل مكانتهم في الدنيا والآخرة .. ومن هنا كان جهدهم وجهادهم، لا نافلة يتنفلون بها، ولكن واقعًا حيًا يعيشونه ليحققوا هذا الدين في عالم الواقع:
(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [5] .
(1) سورة آل عمران: 103.
(2) سورة التوبة: 105.
(3) سورة الرعد: 29.
(4) سورة الأنعام: 132.
(5) سورة البقرة: 177.