الصفحة 111 من 142

إننا نقول -بحق- إنهم مجرمون.

فليس ضعف أي أمة مبررًا لهجوم الأمة القوية عليها وافتراسها، فإنما يحدث هذا في عالم الوحوش لا في عالم البشر الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق. والأمة الإسلامية -تلك الأمة الفريدة في التاريخ بما علمها ربها وأّدّبها- لم تكن تغزو الأمم لأنها ضعيفة! فقد كانت تقارع القوى العظمى وهي في عنفوان قوتها. ولم تكن تغزو بلدًا بهدف إذلالة ونهب خيراته! إنما كانت -بأمر ربها- تغزو من تغزو لأنهم كفار متمردون على أمر الله، فيأتي جند الله لا لإرغامهم على الخضوع لهم، وإنما ليعرضوا عليهم الإسلام لله، فإن ارتدوا عن غيهم وأسلموا فقد انتهت الخصومة تمامًا وصاروا إخوة في الدين. ذلك أن الخصومة لم تكن شخصية، ولم تكن لدوافع أرضية، ولم تكن لحساب أحد من البشر، إنما كانت لله وفي الله. فإن لم يسلموا فليعلنوا على الأقل أنهم لا يصرون على إعلان تمردهم على الله، ورمز ذلك أن يؤدوا الجزية لجند الله المكلفين بالأمر. فإن لم يكن إسلام ولا جزية فهناك يحق القتال، وبشروطه الرفيعة التي أمر بها الله ورسوله.

واليهود والنصارى والمشركون لا يسلكون هذا السلوك لأنهم لم يتأدبوا بالأدب الرباني، ولم يتذوقوا تلك المعاني الرفيعة التي لا يعرفها إلا عباد الرحمن.

لذلك نقول -بحق- إنهم مجرمون. وإنهم غادرون. وإنهم لا ضمائر لهم. وإن فيهم خسة. وإنهم كالوحوش المفترسة. ولكن هذا كله لا يعفي الامة الإسلامية من مسئوليتها. فقد أعلمهم ربهم بذلك كله، وقال لهم إنهم (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [1] أي أن العدوان من طبعهم، والغدر من طبعهم. والإجرام من طبعهم ..

بل وعد الله المؤمنين -فوق إعلامهم بأمر أعدائهم- أنهم إن استقاموا على طريقه، فصبروا واتقوا، فلن يضرهم كيد الأعداء شيئًا:

(وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [2] .

ولكن الصبر والتقوى كان قد فسد مفهومهما في نفوس المسلمين المتأخرين كما فسدت في نفوسهم بقية المفاهيم.

فما الصبر المطلوب وما التقوى؟

إنهما قوتان إيجابيتان هائلتان، جعل الله فيهما الحاجز المنيع الذي يحجب كيد الأعداء ويره إلى نحورهم.

الأعداء يريدون -كما علّم الله الأمة- أن يردوها عن دينها إن استطاعوا. فالصبر المطلوب إذن هو الصبر على هذا الدين وتكاليفه، ومنها إعداد القوة التي ترهب عدو الله وعدو المسلمين:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) [3] .

والتقوى المطلوبة هي اتقاء سخط الله وغضبه، ولا يكون ذلك إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. ومن أوامره إقامة الدين على حقيقته، وإخلاص العبادة لله:

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [4] .

(وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [5] .

ومن أوامره إقامة العدل بين الناس:

(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [6] .

(1) سورة التوبة: 10.

(2) سورة آل عمران: 120.

(3) سورة الأنفال: 60.

(4) سورة الروم: 30.

(5) سورة النساء: 36.

(6) سورة النساء: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت