الصفحة 110 من 142

ويُقضى الأمر حين تغيب تَيم ... ولا يستأذنون وهم شهود!

لقد كانت أشد فترات الذل التي مرت بالمسلمين -بعض المسلمين- هي فترة مذبحة بغداد على يد التتار. حين كان التتري يقول للمسلم إذا لقيه في أحد شوارع بغداد: انتظر حتى آتي بالسيف لأقتلك، فينتظر المسلم بالفعل حتى يأتي التتري بسيفه ويقتله! أما اليوم فالهوان أنكى! تقول الصليبية الصهيونية للعالم الإسلامي بأسره: انتظر حتى أقطع أوصالك .. فينتظر بالفعل، وتأتي الصليبية الصهيونية فتقطع أوصاله وهو ساكن لا يتحرك! تقول له سنأخذ منك فلسطين .. فينتظر حتى تؤخذ فلسطين ولا يتحرك! تقول له ستقيم على الأرض الإسلامية حكومات غير إسلامية .. فينتظر حتى تقوم على أرضه حكومات غير إسلامية تذبح المسلمين وتشردهم وتنكل بهم، ولا يتحرك!

بل الأنكى من ذلك أن يتم كثير من ذلك الهوان على أيدي أناس يحملون أسماء إسلامية، تنيبهم عنها الصليبية الصهيونية في تقتيل المسلمين وتشريدهم، وإبعادهم عن الإسلام، وتمريغ أنوفهم في الوحل .. ويحدث ذلك لأول مرة في تاريخ الإسلام!

ولنتتبع الأمر من مبدئه .. لنتعرف على الخطوات التي وصل بها الأمر إلى ما وصل إليه.

حين سقطت آخر دويلة إسلامية في الأندلس عام 1492م أصدر البابا قرارًا بتقسيم أرض الكفار (!) -أي المسلمين- إلى دولتين: أسبانبا والبرتغال. وأمرهما بمتابعة المسلمين خارج الأندلس وملاحقتهم للقضاء عليهم. وكانت البرتغال أول من صدع بالأمر، فبدأت الرحلات"الاستكشافية!". التي كان هدفها التعرف على العالم داخله .. وكانت أول تلك الرحلات رحلة فاسكودا جاما عام 1517م أي بعد ربع قرن من سقوط غرناطة (علمًا بأن حركة القضاء على الإسلام في الأندلس ذاتها، وتتبع المسلمين الذين كانوا قد تنصروا ظاهرًا فرارًا من التعذيب الوحشي الذي تستخدمه محاكم التفتيش، قد استغرقت قرنين كاملين من الزمان، وانتهت بالقضاء الكامل على الإسلام، ونسيان الناس أصولهم الإسلامية تمامًا) [1] .

وعلى ضوء الخرائط الإسلامية تعرفت أوروبا على العالم الإسلامي! فقد كانت أوروبا من قبل قابعة داخل حدودها، ولكن الحافز الصليبي الذي بثه البابا في نفوس النصارى ألهب خطاهم، فراحوا يتلمسون الطريق لتحقيق أهدافه. وكان البرتغاليون أول من وضع أقدامه في الأرض الإسلامية، ثم تبعهم غيرهم من الأوروبيين تباعًا، وتسابقت أوروبا وتنافست في الغزو، حتى إذا كان القرن التاسع عشر الميلادي كان كل من هب ودب من دول أوربا يملك"مستعمرات"في العالم الإسلامي، ولم يكن قد بقى من أرض الإسلام لم تدنسه أقدام الصليبيين إلا تركيا ذاتها وأجزاء من الجزيرة العربية ..

ولقد قاومت كل البلاد الإسلامية الغزاة الذين غزوا أرضها. ولكن نتيجة المعركة كانت محسومة سلفًا ... فلم يكن في يد المسلمين من القوة ما يدفعون به السيل الجارف من العدوان ..

وهنا وقفة نسأل فيها: من المسئول عن تلك الهزيمة؟!

لا أحد يستطيع أن يتنصل من المسئولية! لا الحكام ولا العلماء ولا مجموع الأمة!

إن اليهود والنصارى -والمشركين عامة- هم الأعداء الطبيعيون لهذه الأمة. ولم يكن يتوقع منهم حين يرون المسلمين قد ضعفوا وغفلوا عن مكانتهم أن يربتوا على أكتافهم، ويقولوا لهم: هلموا! قوموا من غفلتكم وعودوا إلى قوتكم! بل كان الشيء الوحيد المتوقع منهم أن يهتبلوا الفرصة السانحة ويهجموا على"الرجل المريض"ليجهزوا عليه في غيبوبته قبل أن يفيق!

ولقد علّمنا ربنا عن عداوتهم، وسعيهم الدائم إلى محاولة زحزحة الأمة الإسلامية عن دينها:

(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [2] .

(وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [3] .

فحين نغفل نحن عن ديننا، وعن أوامر ربنا، فهل نقول: فعل الصليبيون وفعل الصهيونيون .. ؟!

(1) في أسبانيا اليوم حركة تحاول التعرف على أصولها الإسلامية المنسية، والعودة إلى اعتناق الإسلام من جديد.

(2) سورة البقرة: 120.

(3) سورة البقرة: 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت