نقول إن الدولة العثمانية قد شجعت الصوفية ولا شك، ورسختها في ربوع العالم الإسلامي باعتناق حكامها وعلمائها لها. ولكن من التجاوز أن نقول إنهم هم الذين أدخلواه ابتداء، فقد نشأت وترعرعت في ظل الحكم العباسي. بل الأحرى أن نقول إن الأتراك أنفسهم قد ابتلوا بها عند دخولهم في الإسلام لأنها كانت هي الصورة الشعبية عندئذ للإسلام! فإن كانوا هم قد زادوها رسوخًا حتى شاعت في زمنهم قولة"من لا شيخ له فشيخه الشيطان!"فقد كان هذا اعتقادًا منهم أنهم بذلك يخدمون الإسلام!!
وهل الدولة العثمانية هي التي أنشأت الاستبداد السياسي الذي يصرف الناس عن متابعة أعمال الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويجعلهم ينصرفون إلى خاصة أنفسهم، ويركزون على الشعائر التعبدية على أنها هي"الدين"المطلوب منهم في الحياة الدنيا؟!
إن الدولة العثمانية تحمل نصيبها من هذا الأمر ولا شك، ولكن هل تحمل هي وزر الأمويين ووزر العباسيين ووزر المماليك إلى جانب وزرها؟ أم يحمل الوزر الأكبر في ذلك من سن السنة السيئة في بادئ الأمر؟!
ولنفترض أن الدولة قصرت في تشجيع التعليم [1] ، فهل هذا يعفي بقية الناس من تبعة تقصيرهم؟ لقد كانت للأزهر أوقافه الخاصة التي تغنيه عن طلب المعونة من الدولة، فهل الدولة العثمانية هي التي دعته إلى إهمال العلوم الكونية واعتبار دراستها خروجًا على أوامر الدين، والاكتفاء بالعلوم الشرعية وحدها، بينما الغزالي -قبل ذلك بقرون- يعتبر العلوم الكونية فرض كفاية، تأثم الأمة كلها إذا لم يقم بها القادرون منها؟!
وحين تحول الدين عند كثير من الناس إلى تقاليد خاوية من الروح فهل كان هذا في قطر دون قطر من أقطار العالم الإسلامي؟!
الحق أن الدولة العثمانية في عهدها الأخير -بعد انقضاء عهد الفاتحين العظام- كانت جزءًا من المجتمع الإسلامي يحمل كل أمراضه! ومسئولية الدولة العثمانية أنها -وقد ولاها الله أمر المسلمين- كان المفروض فيها أن تعالج أمراض المجتمع وتصحح أوضاعه، فلم تقم بذلك، أو لم تقم به على الوجه المرضي. ولكن لابد أن نسجل -للحق- أن المجتمع كان يحمل أمراضه من قبل، وأن أمراضه ظلت تتزايد حتى أوردته المهالك، وأنه مسئول أمام الله عن عدم علاجه لأمراضه، ولا يستطيع أن يلقى المسئولية على الدولة العثمانية ويخلي نفسه منها، فكل المسلمين مسئولون عن هذا الدين: حكامهم وعلماؤهم وعامتهم، على اختلاف في الدرجات ..
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) [2] .
لقد كان المجتمع كله قد أخذ يغفو، ثم راح في سبات عميق!
أما الآثار التي ترتبت على ذلك التخلف -التخلف عن حقيقة الإسلام- فقد كانت سيئة إلى أبعد الحدود.
وغني عن البيان أن الفترة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم هي أسوأ ما مر بها في تاريخها كله ..
لقد مرت بالأمة الإسلامية أزمات كثيرة من قبل ونكسات كثيرة، ولكن بنيتها كانت أقوى فاحتملت الصدمات واستطاعت أن تسترد قدرتها على المقاومة، بل قدرتها على الصمود، بل قدرتها على الانطلاق بعد الصدمة كأن لم يصبها شيء! وانظر على سبيل المثال أزمة الردة أيام أبي بكر -رضي الله عنه- وأزمة التتار .. وأزمة سقوط الأندلس في قبضة الصليبيين والقضاء على الإسلام هناك.
إنها أزمات حادة كما ترى .. ولكن انظر كيف انطلقت الأمة بعد كل منها كأنما لم تصب من جرائها بأذى! ولقد كانت نكبة الأندلس بصفة خاصة شديدة الوقع على المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، فقد كانت أول مرة يطرد الإسلام فيها من أرض عاش فيها وحكمها بضعة قرون .. ولكن الأسى المر الذي أصاب المسلمين من ضياع الأندلس عام 1492م لم يتلبث كثيرًا في نفوسهم، ولم يوهن عزائمهم، لأن الدولة العثمانية الفتية كانت قد استولت على القسطنطينية قبل ذلك بفترة وجيزة (1453م) وبدأت تدق أبواب أوروبا من الشرق، فتتفتح الأبواب ويتدفق المد الإسلامي إلى داخل أوروبا ..
أما الأزمة الأخيرة فقد جاءت وجسم الأمة فاتر من كثرة الأوجاع والأمراض، فلم يقدر على المقاومة إلا مقاومة عابرة .. ثم استسلم للأمر الواقع، وتخلى عن المحاولة، فسهل على أعدائه أن يجهزوا على ما بقى فيه من آثار الحياة! وصار واقع الأمة اليوم إلى حالة لم تبلغها في تاريخها كله، واستخف العالم بها حتى صار وضعها كما قال الشاعر القديم يهجو قبيلة تيم:
(1) الحقيقة أن السلاطين الأوائل بذلوا جهدًا واضحًا في نشر التعليم، وأنفقوا على مؤسساته بسخاء، ولكن عزيمة الحكام تراخت بعد ذلك حين اطمأنوا إلى قوة الدولة ورسوخ أركانها.
(2) سورة القيامة: 14 - 15.