الصفحة 108 من 142

إن الغربيين الذين يتحدثون عن الدين بوصفه رجعية وتأخرًا وعائقًا عن التقدم والحضارة يتحدثون عن تجربتهم الخاصة مع الدين الكنسي المحرف، ثم يعممونها، كما يفعل الصبية الصغار حين يظنون أن تجربتهم الخاصة هي الحق الوحيد في الكون، ولا يصدقون أن هناك تجربة أخرى أسفرت عن نتائج مخالفة!

وأوروبا لم تعرف دين الله على حقيقته، إنما عرفت ديانة بولس التي زعم لها أنها ديانة المسيح. وهي حرة تقول في دينها ما شاءت، وكثير مما تقوله صحيح بالفعل. أما إطلاق الحكم على الدين كله، بما فيه الدين السماوي الصحيح، فتعنت غير علمي في عصر التبجح بالعلم وبالموضوعية في البحث. وأبسط الأدلة على خطأ تعميم الحكم أن أوروبا -وقت التزامها بدينها- كانت جاهلة متأخرة -باعترافها- حتى إنها تسمي تلك الفترة"القرون الوسطى المظلمة". بينما المسلمون -وقت التزامهم بدينهم- كانوا هم أمة العلم والحضارة في الأرض، باعتراف الأوروبيين أنفسهم. ويكفي هذا فارقًا بين دين ودين، ويكفي هذا دليلًا على خطأ التعميم!

وَهْمٌ ثالث بشأن أسباب الانحسار، يحتاج إلى المناقشة، لا لأنه خاطئ من أساسه هذه المرة، كالوهمين السابقين، فهو يحمل قدرًا من الحق، ولكن لإرجاع الأسباب كلها إليه، أو اعتباره أكبر الأسباب: ذلك هو نسبة أسباب التخلف إلى الدولة العثمانية!

إنه وَهْمٌ غذته الصليبية الصهيونية عند العرب لِتُبغِضهم في الأتراك، ليسهل عليها تفكيك وحدة العالم الإسلامي، ثم ابتلاعه وهو مِزَق متناثرة متنافرة ..

وقد حدث التخلف بالفعل في زمن الدولة العثمانية، وهي تحمل نصيبها من المسئولية عنه. أما جعلها هي المسئول الوحيد عن ذلك التخلف، فهو ظلم ناشئ عن البغض الذي قال فيه الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين البغض تبدي المساويا

والله يأمر بغير ذلك:

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [1] .

ولنسلم مبدئيًا بأن الدولة العثمانية قد دفعها الغرور إلى اعتبار نفسها الدولة العظمى في الأرض، بعد جهود الفاتحين العظام الذين وسعوا نطاق الدولة وأمنوا حدودها وأخضعوا أعداءها ووطدوا أركانها .. فتراخت عزيمتها وأترفت .. والترف -كما أشرنا آنفًا- هو الحمض الأكّال الذي يأكل الدول والشعوب .. ولم تعد تهتم -كما كانت في بداية عهدها- ببذل الجهد من أجل التمكين، سواء بنشر العلم بين الناس، وتشجيع العلماء، وتشجيع الصناع المهرة، أو العناية بالجيش وإحسان تدريبه وتسليحه، أو النظر في شئون الرعية والاهتمام بمصالحهم .. وأن هذا كله قد انعكس على حياة الناس تواكلًا وانصرافًا عن بذل الجهد وتخلفًا في كثير من الميادين.

ولنسلم كذلك أن هذا الغرور ذاته -أو الغفلة- قد أدى إلى استصغار شأن القوة الأوروبية المتنامية، وعدم الجد في اتخاذ العدة لمواجهتها والتغلب عليها .. اطمئنانًا كاذبًا إلى أن أوروبا مهما تقوّت فلن تغلب ملك آل عثمان!

ولنسلم أيضًا بأن سوء الإدارة في الأقاليم الإسلامية قد شغل الولاة بأنفسهم عن مصالح الناس، فأسرفوا في فرض الضرائب، ولم يخصصوا شيئًا يذكر من أجل"المرافق العامة"فتأخرت وتضاءلت خدماتها، وانتشر الفقر بين الناس. والفقر أداة التخالف!

وكل ذلك تسأل عنه الدولة العثمانية التي ولاّها الله أمر المسلمين ..

ولكن هل هذه هي الأسباب الوحيدة للتخلف؟

هل الدولة العثمانية هي التي أنشأت الفكر الإرجائي وبثته في نفوس الناس فتفلتوا من العمل مطمئنين إلى أنهم مؤمنون بالتصديق والإقرار ولو لم يعملوا عملًا واحدًا من أعمال الإسلام؟! أم جاءت الدولة العثمانية وهذا المرض مستشر في النفوس؟

هل الدولة العثمانية هي التي أنشأت الصوفية؟

(1) سورة المائدة: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت