كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة. فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ; ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق. ثم جمعوا لهم في حنين كذلك. .
وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة ; وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله. .
وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث , في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين , يخاطبهم: (أتخشونهم ?) . .
فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب!
ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال:
(فالله أحق أن تخشوه , إن كنتم مؤمنين) . .
إن المؤمن لا يخشى أحدا من العبيد. فالمؤمن لا يخشى إلا الله. فإذا كانوا يخشون المشركين فالله أحق بالخشية , وأولى بالمخافة ; وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان!
وإن مشاعر المؤمنين لتثور ; وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث. . وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم صلى الله عليه وسلم. .
وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر كلما التمسوا منهم غرة , أو وجدوا في موقفهم ثغرة. وهم يتذكرون مبادأة المشركين لهم بالعداء والقتال بطرا وطغيانا. . وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على القتال:
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم , وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين , ويذهب غيظ قلوبهم) . .
قاتلوهم يجعلكم الله ستار قدرته , وأداة مشيئته , فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة , وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون. يشفها من غيظها المكظوم , بانتصار الحق كاملا , وهزيمة الباطل , وتشريد المبطلين. .
وليس هذا وحده ولكن خيرا آخر ينتظر وثوابا آخر ينال:
(ويتوب الله على من يشاء) . .
فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان , ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين ينصرون , ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم , ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلا - وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم , وأجر هداية الضالين بأيديهم ; وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين:
(والله عليم حكيم) .
عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات. حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات.