فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 471

هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالات قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا وتعالجها. وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة النفس البشرية , ولطبيعة الجماعات البشرية , وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في الإيمان والتربية فهي دائما في حاجة إلى علاج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف , وبخاصة تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس , مع خلوص النفس لله , وفي سبيل الله. وظهور هذه الخصائص البشرية - من الضعف والحرص والشح والتقصير - لا يدعو لليأس من النفس أو الجماعة , ولا إلى نفض اليد منها , وازدرائها ; طالما أن عناصر الإخلاص والجد والتعلق بالصف والرغبة في التعامل مع الله موفورة فيها. .

ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير ; والهتاف لها بالانبطاح في السفح , باعتبار أن هذا كله جزء من"واقعها"! بل لا بد لها من الهتاف لتنهض من السفح والحداء لتسير في المرتقى الصاعد , إلى القمة السامقة. بكل ألوان الهتاف والحداء. .

كما نرى هنا في المنهج الرباني الحكيم.

والحقيقة الثانية:

هي قيمة الجهاد بالأموال والأنفس في ميزان الله واعتبارات هذا الدين وأصالة هذا العنصر في طبيعة هذه العقيدة وهذا النظام. لما يعلمه الله - سبحانه - من طبيعة الطريق ; وطبيعة البشر ; وطبيعة المعسكرات المعادية للإسلام في كل حين.

إن"الجهاد"ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة. إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة!

وليست المسألة - كما توهم بعض المخلصين - أن الإسلام نشأ في عصر اللإمبراطوريات ; فاندس في تصوراتأهله - اقتباسا مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن!

هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصلية لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون.

لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب الله ; في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مثل هذا الأسلوب. .

لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة:"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".

ولئن كان صلى الله عليه وسلم رد في حالات فردية بعض المجاهدين , لظروف عائلية لهم خاصة , كالذي جاء في الصحيح أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أجاهد. قال:"لك أبوان ?"قال: نعم. قال ,"ففيهما جاهد". .

لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة ; وفرد واحد لا ينقض المجاهدين الكثيرين. ولعله صلى الله عليه وسلم على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا , كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه , ما جعله يوجهه هذا التوجيه. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت