فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 471

يدخل في عبادة الله تعالى، بل هو قاعدة العبادة وأصلها، هو إفراد الله تعالى في الطاعة والامتثال، فالله هو الحَكَمُ وله الحُكم. قال تعالى: {إنِ الحكمُ إلاّ لله} [الأنعام: 57] . وقال تعالى: {ألا له الحكم} [الأنعام: 12] . وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] . وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] . وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] . فهذه الآيات تبيّن بوضوح وجلاء أنّ حقّ الحكم هو لله وحده، بل إنّ معنى الإله هو المعبود، والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود.

ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرًا ناهيًا حاكمًا على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهًا مطاعًا معبودًا يُعبَد، قال تعالى: {أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] . فقد سمّى الله المشرّع شريكًا وسمّى ما شرّع دينًا، وأصل كلمة الدين تعني الخضوع، وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما هو خاضع له، وهو معنى الدين، فهذه الآية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلهًا، وتسمية الشرع الذي شرعه دينًا، وتسمية الطائع له مشركًا، وقال تعالى: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} [التوبة: 31] ، وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم بطاعة الأتباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا، فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلميقرأ هذه الآية: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمِروا إلاّ ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون} [التوبة: 31] ، فقال: إنّا لسنا نعبدهم، فقال أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟ فقال: بلى. فقال: فتلك عبادتهم. [رواه الترمذيّ وحسّنه] .

وقد قرّر الله في كتابه كفرَ من حكم بغير كتابه، فقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] .

وسمّى الله من تحاكم الناس إليه من غير خضوع لأحكام الكتاب والسنّة طاغوتًا. قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالًا بعيدًا} [النساء: 60] ، وقال الشيخ الإمام محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان: كلّ تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت [7/ 65] .

ومثل الآية التي تقدّمت: {أم لهم شركاء ... } قوله تعالى: {إنِ الحكم إلاّ لله أمر ألا تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيّم} [يوسف: 40] . فقد سمّى الله الحكم عبادة، وسمّى ما يُحكم به دينًا، فمن حكّم الله في كلّ أمر فقد عبده واتّخذ دينه دينًا، ومن حكّم الطاغوت في أيّ أمرٍ فقد عبده واتّخذ حكمه دينًا، وقد سمّى الله تعالى شرع الطواغيت دينًا، كما سمّى شرعه دينًا فقال تعالى عن يوسف: {كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلاّ أن يشاء الله} [يوسف: 76] ، فقد سمّى شرعَ الملك وحكمَه وملكَه دينًا.

وهكذا أيّها السائل الصادق رأيت أنّ دولنا محكومة بحكومات مرتدّة كافرة وبحكّام كفّار مرتدين وأنّهم شرّعوا للناس دينًا وأوجبوا على الناس الدخول فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت