فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 471

وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة"الدين". . وأنه مجرد"عقيدة"في الضمير ; لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة. . ومن ثم يكون الجهاد للدين , جهادًا لفرض العقيدة على الضمير!

ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام. فالإسلام منهج الله للحياة البشرية. وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام. أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع , في ظل النظام العام , بعد رفع جميع المؤثرات. . ومن ثم يختلف الأمر من أساسه , وتصبح له صورة جديدة كاملة.

وحيثما وجد التجمع الإسلامي , الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي , فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام. مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان. . فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد , فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ. مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة. وعلىهذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة , في المراحل التاريخية المتجددة. ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية , والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل.

وبعد , فإن هناك بقية في بيان طبيعة"الجهاد في الإسلام"و"طبيعة هذا الدين"يمدنا بها المبحث المجمل القيم الذي أمدنا به المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان , بعنوان"الجهاد في سبيل الله". . وسنحتاج أن نقتبس منه فقرات طويلة ; لا غنى عنها لقارئ يريد رؤية واضحة دقيقة لهذا الموضوع الخطير العميق في بناء الحركة الإسلامية:

"لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة"الجهاد""بالحرب المقدسة" [] إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم. وقد فسروها تفسيرًا منكرًا. وتفننوا فيها , وألبسوها ثوبًا فضفاضًا من المعاني المموهة الملفقة. وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء. وقد كان من لباقتهم , وسحر بيانهم , وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة , أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة. . الجهاد. . تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة , مصلتة سيوفها , متقدة صدورها بنار التعصب والغضب , متطايرًا من عيونها شرار الفتك والنهب , عالية أصواتها بهتاف:"الله أكبر", زاحفة إلى الأمام , ما إن رأت كافرًا حتى أمسكت بخناقه , وجعلته بين أمرين: إما أن يقول كلمة:"لا إله إلا الله"فينجو بنفسه , وإما أن يضرب عنقه , فتشخب أوداجه دمًا!"

"ولقد رسم الدهان هذه"الصورة"بلباقة فائقة , وتفننوا فيها بريشة المتفنن المبدع ; وكان من دهائهم ولباقتهم في هذا الفن أن صبغوها بصبغ من النجيع الأحمر , وكتبوا تحتها:"

"هذه الصورة مرآة لما كان بسلف هذه الأمة من شره إلى سفك الدماء , وجشع إلى الفتك بالأبرياء"!

"والعجب كل العجب , أن الذين عملوا على هذه الصورة ; وقاموا بما كان لهم من حظ موفور في إبرازها وعرضها على الأنظار , هم هم الذين مضت عليهم قرون"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت