يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). . فكان القتال - كما يقول الإمام ابن القيم -"محرمًا , ثم مأذونًا به , ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال , ثم مأمورًا به لجميع المشركين". .
إن جدية النصوص القرآنية الواردة في الجهاد ; وجدية الأحاديث النبوية التي تحض عليه ; وجدية الوقائع الجهادية في صدر الإسلام , وعلى مدى طويل من تاريخه. . إن هذه الجدية الواضحة تمنع أن يجول في النفس ذلك التفسير الذي يحاوله المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي!
ومن ذا الذي يسمع قول الله سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ويتابع وقائع الجهاد الإسلامي ; ثم يظنه شأنًا عارضًا مقيدًا بملابسات تذهب وتجيء ; ويقف عند حدود الدفاع لتأمين الحدود ?!
لقد بين الله للمؤمنين في أول ما نزل من الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة الدنيا أن يدفع الناس بعضهم ببعض , لدفع الفساد عن الأرض: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا , وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا) . . وإذن فهو الشأن الدائم لا الحالة العارضة. الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض. وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية الله للعالمين , وتحرير الإنسان من العبودية للعباد , رماه المغتصبون لسلطان الله في الأرض ولم يسالموه قط ; وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن"الإنسان"في"الأرض"ذلك السلطان الغاصب. . حال دائمة لا يكف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله لله.
لقد كانوا يقولون كما قال ربعي بن عامر , وحذيفة بن محصن , والمغيرة بن شعبة , جميعًا لرستم قائد جيش الفرس في القادسية , وهو يسألهم واحدًا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية , قبل المعركة: ما الذي جاء بكم ? فيكون الجواب: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. . فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه , فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه , وتركناه وأرضه. ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر"."
إن هناك مبررًا ذاتيًا في طبيعة هذا الدين ذاته ; وفي إعلانه العام , وفي منهجه الواقعي لمقابلة الواقع البشري بوسائل مكافئة لكل جوانبه , في مراحل محددة , بوسائل متجددة. . وهذا المبرر الذاتي قائم ابتداء - ولو لم يوجد خطر الاعتداء على الأرض الإسلامية وعلى المسلمين فيها - إنه مبرر في طبيعة المنهج وواقعيته , وطبيعة المعوقات الفعلية في المجتمعات البشرية. . لا من مجرد ملابسات دفاعية محدودة , وموقوتة!
وإنه ليكفي أن يخرج المسلم مجاهدًا بنفسه وماله. . (في سبيل الله) . في سبيل هذه القيم التي لا يناله هو من ورائها مغنم ذاتي ; ولا يخرجه لها مغنم ذاتي. .