فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 471

التي لا تنهي السماحة الخلقية. فهذه صفة المسلم دائما. ولكنها تنهي الولاء الذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله ورسوله والذين آمنوا. . الوعي والمفاصلة اللذان لا بد منهما للمسلم في كل أرض وفي كل جيل.

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين) .

بعضهم أولياء بعض. . إنها حقيقة لا علاقة لها بالزمن. . لأنها حقيقة نابعة من طبيعة الأشياء. . إنهم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أي أرض ولا في أي تاريخ. . وقد مضت القرون تلو القرون ترسم مصداق هذه القولة الصادقة. . لقد ولي بعضهم بعضا في حرب محمد صلى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة في المدينة وولي بعضهم بعضا في كل فجاج الأرض , على مدار التاريخ. . ولم تختل هذه القاعدة مرة واحدة ; ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرره القرآن الكريم , في صيغة الوصف الدائم , لا الحادث المفرد. . واختيار الجملة الاسمية على هذا النحو. . بعضهم أولياء بعض. . ليست مجرد تعبير! إنما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدائم الأصيل!

ثم رتب على هذه الحقيقة الأساسية نتائجها. . فإنه إذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم. والفرد الذي يتولاهم من الصف المسلم , يخلع نفسه من الصف ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف"الإسلام"وينضم إلى الصف الآخر. لأن هذه هي النتيجة الطبيعية الواقعية:

(ومن يتولهم منكم فإنه منهم) . .

وكان ظالما لنفسه ولدين الله وللجماعة المسلمة. . وبسبب من ظلمه هذا يدخله الله في زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولاءه. ولا يهديه إلى الحق ولا يرده إلى الصف المسلم:

(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . .

لقد كان هذا تحذيرا عنيفا للجماعة المسلمة في المدينة. ولكنه تحذير ليس مبالعا فيه. فهو عنيف. نعم ; ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة. فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى - وبعضهم أولياء بعض - ثم يبقى له إسلامه وإيمانه , وتبقى له عضويته في الصف المسلم , الذين يتولى الله ورسوله والذين آمنوا. . فهذا مفرق الطريق. .

وما يمكن أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينة وبين كل من ينهج غير منهج الإسلام ; وبينه وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام ; ثم يكون في وسعه بعد ذلك أن يعمل عملا ذا قيمة في الحركة الإسلاميةالضخمة التي تستهدف - أول ما تستهدف - إقامة نظام واقعي في الأرض فريد ; يختلف عن كل الأنظمة الأخرى ; ويعتمد على تصور متفرد كذلك من كل التصورات الأخرى. .

إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم , الذي لا أرجحة فيه ولا تردد , بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس - بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه , منهج متفرد ; لا نظير له بين سائر المناهج ; ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر ; ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج آخر ; ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه ; ولا يعفيه الله ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت