فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 471

و من لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ

ويعبر عنه القول المتعارف في الجاهلية:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".

وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته .. كالذي يقوله طرفة بن العبد:

فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدَّك لم أحفل متى قام عوَّدي

فمنهن سبقى العاذلات بشربة ... كُمُيت متى ما تُعلَ بالماء تزبد

وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبذلي وإنفاقي طريقي وتالدي

إلى أن تحامتنى العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبًّد

وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع - شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم أو حديث - كالتي روته عائشة رضي الله عنها:

"إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:"

فنكاح منها نكاح الناس اليوم .. يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو بنته، فيصدقها ثم ينكحها .. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها: ارسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستضع منه، فإذا تبين حملها أصابها الرجل إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل .. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها .. وهن البغايا .. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعى ابنه لا يمتنع عن ذلك"."

وربما قيل: أنه كان قي استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.

وربما قيل: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان واجدًا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسًا طيبة يؤذيها هذا الدنس.

وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهر.

وربما قال قائل: أنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلًا من أن تثير دعوة"لا إله إلا الله"المعارضة القوية منذ أول الطريق.

ولكن الله - سبحانه - كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق!

كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت