وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميتها ; وينضمون إلى التجمع الحركي الذي يقوده محمد صلى الله عليه وسلم ويخضعون لقيادته وسلطانه ; وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهلية ; ويتوجهون بولائهم كله للقيادة الجديدة , وللعصبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الجديدة. .
كان هذا كله هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. .
وكان هذا واقعًا يشهده الملأمن قريش ; ويحسون خطره على كيانهم , وعلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقيدية التي يقوم عليها كيانهم.
لم يكن مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله , هو هذا المدلول الباهت الفارغ الهزيل الذي يعنيه اليوم من يزعمون أنهم مسلمون - لمجرد أنهم يشهدون هذه الشهادة بألسنتهم ; ويؤدون بعض الشعائر التعبدية , بينما ألوهية الله في الأرض وفي حياة الناس لا وجود لها ولا ظل ; وبينما القيادات الجاهلية والشرائع الجاهلية هي التي تحكم المجتمع وتصرف شؤونه.
وحقيقة إنه في مكة لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة. .
ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية ; ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة ; كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها ; وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين. .
فلم يكن الأمر هو هذا النطق الفارغ الباهت الهزيل. ولكن كانت دلالته الواقعية العملية هي التي تترجمه إلى حقيقة يقوم عليها الإسلام. .
وهذا هو الذي كان يزعج الملأ من قريش من زحف الإسلام , ومن هذا القرآن. .
إنه لم يزعجهم من قبل أن"الحنفاء"اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم ; واعتقدوا بألوهية الله وحده وقدموا له الشعائر وحده , واجتنبوا عبادة الأصنام أصلًا. .
فإلى هنا لا يهم الطاغوت الجاهلي شيء ; لأنه لا خطر على الطاغوت من الاعتقاد السلبي والشعائر التعبدية!
إن هذا ليس هو الإسلام - كما يظن بعض الطيبين الخيرين الذين يريدون اليوم أن يكونوا مسلمين , ولكنهم لا يعرفون ما هو الإسلام معرفة اليقين!
-إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين. .
هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه ; والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبة المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع. .
وهذا ما كان يقض مضاجع الملأ من قريش , فيقاومونه بشتى الأساليب. .
ومنها هذا الأسلوب. .
أسلوب الادعاء على القرآن الكريم , بأنه أساطير الأولين! وأنهم - لو شاءوا - قالوا مثله! ذلك مع تحديهم به مرة ومرة ومرة. .
وهم في كل مرة يعجزون ويخنسون!