فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 471

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} .. [مريم: 73]

أي الفريقين؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله؟ أي الفريقين؟ النضر بن الحارث، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب؟ أم بلال وعمار وصهيب وخباب؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيرًا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر، وهم يجتمعون في بيت متواضع كدار الأرقم، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة، والمجد والجاه والسلطان؟!

إنه منطق الأرض، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان. وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء، لا قربى من حاكم، ولا اعتزاز بسلطان، ولا هتاف بلذة، ولا دغدغة لغريزة. وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد ..

ليقبل عليها من يقبل، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والابهة، ومن يطلب المال والمتاع، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنًا حين تخف في ميزان الله.

إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه ..

إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق، إنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل ..

إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود ..

فأنّى يجد في نفسه وهنًا أو يجد في قلبه حزنًا، وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود؟

إنه على الحق ..

فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وليكن للضلال سلطانه، وليكن له هيله وهيلمانه، ولتكن معه جموعه وجماهيره ..

إن هذا لا يغير من الحق شيئًا، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق - وهو مؤمن - ولن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال ..

{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} . [آل عمران: 8 - 9] (المعالم)

قال تعالى على لسان النبي شعيب عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت