ونحن المؤمنين بالله نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه، ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله. نحن نؤمن بالله بالغيب ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان. وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح عاملة في الأرض، متطلعة إلى السماء متحررة من الهوى والطغيان البشري، عابدة خاشعة لله. تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه. فلا جرم تحفها البركة ويعمها الخير ويظلها الفلاح .. والمسألة من هذا الجانب مسألة واقع منظور إلى جانب لطف الله المستور، واقع له عالمه وأسبابه الظاهرة إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود .. والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون في توكيد ويقين ألوان شتى. والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة، وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله سبحانه وكفى بالله شهيدًا ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، ولقد ينظر بعض الناس فيرى أمما يقولون: إنهم مسلمون مضيقا عليهم في الرزق لا يجدون إلا الجدب والمحق .. ويرى أمما لا يؤمنون ولا يتقون مفتوحا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ. فيتساءل: وأين إذن هي السنة التي لا تتخلف؟ ولكن هذا وذاك وهم تخيله ظواهر الأحوال. إن أولئك الذين يقولون أنهم مسلمون .. لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة بأن لا إله إلا الله، إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم يتألهون عليهم ويشرعون لهم سواء القوانين أو القيم والتقاليد، وما أولئك بالمؤمنين. فالمؤمن لا يدع عبدا من العبيد يتأله عليه ولا يجعل عبدا من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره ..
ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقا دانت لهم الدنيا وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض وتحقق لهم وعد الله .. فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق .. فهذه هي السنة (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) . فهو الابتلاء بالنعمة وهو أخطر من الابتلاء بالشدة. وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون. فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح. وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن وهو متاع بلا رضى وهي وفرة بلا صلاح، وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل نكد وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال. إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى بركات في الأشياء وبركات في النفوس وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وتوقعها في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال.