ونحسب أننا لسنا في حاجة لأن نقول: إن هذا الشرط الإلهي لأهل الكتاب غير خاص بأهل الكتاب. فالشرط لأهل الكتاب يتضمن الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله المتمثل في ما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل .. وما أنزل إليهم من ربهم -وذلك بطبيعة الحال قبل البعثة الأخيرة -فأولى بالشرط الذين أنزل إليهم القرآن .. وأولى بالشرط الذين يقولون: أنهم مسلمون. فهؤلاء هم الذين يتضمن دينهم بالنص: الإيمان بما أنزل إليهم وما أنزل من قبل، والعمل بكل ما أنزل إليهم وما استبقاه الله في شرعهم من شرع من قبلهم .. وهم أصحاب الدين الذي لا يقبل الله غيره من أحد .. وقد انتهى إليه كل دين قبله، ولم يعد هناك دين يقبله الله غيره .. أو يقبل من أحد غيره. فهؤلاء أولى أن يكون شرط الله وعهده لهم وهؤلاء أولى أن يرتضوا ما ارتضاه الله منهم، وأن يستمتعوا بما يشرطه الله لهم من تكفير السيئات ودخول الجنة في الآخرة ومن الأكل من فوقهم ومن تحت أرجلهم في الدنيا .. إنهم أولى أن يستمتعوا بما يشرطه الله لهم بدلا من الجوع والمرض والخوف والشظف الذي يعيشون فيه في كل أرجاء الوطن الإسلامي -أو الذي كان إسلاميا بتعبير أصح- وشرط الله قائم والطريق إليه معروف .. لو كانوا يعلقون ..
إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة لا يخسرون متاع الحياة الدنيا كما يقوم في الأخيلة المنحرفة. فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض. وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها. إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارا للآخرة. ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله. وتمهيدا للآخرة .. هذا هو الإسلام ..
لذلك يجب أن نقف أمام حقيقة من حقائق هذه العقيدة وحقائق الحياة البشرية والكونية سواء. وأمام عامل من العوامل المؤثرة في تاريخ الإنسان ..
إن العقيدة الإيمان في الله وتقواه. ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة وعن خط تاريخ الإنسان .. إن الإيمان بالله وتقواه ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض وعدا من الله ومن أوفى بعهده من الله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ..