الصفحة 287 من 306

إن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من (التنابلة) الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن، ويتوجهون إلى الله بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء ..

نعم إنه يجب أن يقيموا الصلاة وأن يرتلوا القرآن. وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء. ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها، إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة، والذخيرة التي يدخرونها للموقعة. والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه. ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله. ولقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا عن طريقهم هم أنفسهم، كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة .. عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها، ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة، ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه، وتصل إلى ما هو مقدور لها، وما هي مهيأة له من الكمال. والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفز كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها كي يتم نموها ويكمل نضجها وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها.

والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن الظهور لأنه لا يحفزها ولا يدعوها. وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه. أولا: لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة. وثانيًا لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه. وهنالك التربية الوجدانية والدرية العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة، والكرّ والفرّ، والقوة والضعف، والتقدم والتقهقر. ومن المشاعر المصاحبة لها. من الأمل والألم، ومن الفرح والغم، ومن الاطمئنان والقلق، ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة .. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها، وكشف نقط الضعف ونقط القوة. وتدبير الأمور في جميع الحالات وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس. من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله .. جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم، ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء.

والنصر قد يبطئ لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها. ولم يتم بعد تمامها. ولم تحشد بعد طاقاتها. ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلًا ..

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد فلا تستبقي عزيزًا ولا غالبًا، ولا تبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله ..

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها. فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر .. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت