وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص بل من قادته .. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟ وربما كان ذلك أيضًا، لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة -في هذه البيئة- فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر -وهو رجل كريم- يهاجر ويخرج من مكة، ورأى ذلك عارًا على العرب. وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب، بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من بيئات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة، وتعظيم المؤذي الظالم المعتدى.
وربما كان ذلك لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرة، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة -حتى ولو هم أضعاف من سيقتل منهم- ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة، ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ولا وجد له كيان واقعي. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة وليكون نظامًا واقعيًا عمليًا للحياة ..
فأما في المدينة في أول العهد بالهجرة -فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها، ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك ... أولًا: لأن هنا مجالًا للتبليغ والبيان، لا تقف له سلطة سياسية تمنعه وتحول بين الناس وبينه، فقد اعترف الجميع بالدولة المسلمة الجديدة، وبقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصريف شؤونها السياسية. فنصت المعاهدة على ألا يعقد أحد منهم صلحًا ولا يثير حربًا، ولا ينشئ علاقة خارجية إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان واضحًا أن السلطة الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسملة. فالمجال أمام الدعوة مفتوح، والتخلية بين الناس وحرية الاعتقاد قائمة.
ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد التفرغ -في هذه المرحلة- لقريش، التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض بنيها. لذلك بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإرسال السرايا. وكان أول لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة. ثم توالت هذه السرايا، على رأس تسعة أشهر، ثم على رأس ثلاثة عشر شهرًا ثم على رأس ستة عشر شهرًا. ثم كانت سرية عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا. وهي أول غزاة وقع فيها قتل وقتال. وكان ذلك في الشهر الحرام. والتي نزلت فيها آيات البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ..
ثم كانت غزوة بدر الكبرى في رمضان من هذه ا