الصفحة 256 من 306

إن الكف عن القتال في مكة لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة، كذلك كان الأمر أول العهد بالهجرة والذي بعث الجماعة المسلمة في المدينة بعد الفترة الأولى للانطلاق لم يكن مجرد تأمين للمدينة .. هذا هداف أولي لا بد منه، ولكنه ليس الهدف الأخير .. إنه هدف يضمن وسيلة الانطلاق ويؤمن قاعدة الانطلاق. الانطلاق لتحرير (الإنسان) ولإزالة العقبات التي تمنع (الإنسان) ذاته من الانطلاق.

وكف أيدي المسلمين في مكة عن الجهاد بالسيف مفهوم لأنه كان مكفولا للدعوة في مكة حرية البلاغ. كان صاحبها صلى الله عليه وسلم يملك بحماية سيوف بني هاشم أن يصدع بالدعوة ويخاطب بها الأذان والعقول والقلوب ويواجه بها الأفراد. لم تكن هناك سلطة سياسية منتظمة تمنعه من إبلاغ الدعوة أو تمنع الأفراد من سماعها فلا ضرورة في هذه المرحلة لاستخدام القوة وذلك إلى أسباب أخرى لعلها كانت قائمة في هذه المرحلة.

ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئات، تربية نفس الفرد العربي على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم على شخصه أو على من يلوذون به، ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره ودافع الحركة في حياته، وتربيته كذلك على ضبط أعصابه، فلا يندفع لأول مؤثر -كما هي طبيعته- ولا يهتاج لأول مهيج. ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته. وتربيته على أن يتبع مجتمعًا منظمًا له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به -مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته- وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية الغربي، لإنشاء (المجتمع المسلم) الخاضع لقيادة موجهة، المترقي المتحضر، غير الهمجي أو القبلي.

وربما كان ذلك ذلك أيضًا، لأن الدعوة السلمية كانت أشد أثرًا وأنفذ، في مثل بيئة قريش، ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها -في مثل هذه المرحلة- إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس أعوامًا طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها. وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام. فلا تهدأ بعد ذلك أبدًا. ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها وجهته الأساسية، وهو في مبدئه، فلا تذكر أبدًا.

وربما كان ذلك أيضًا، اجتناباَ لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت. فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم. إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد، يعذبونه ويفتنونه (ويؤدبونه) ومعنى الإذن بالقتال -في مثل هذه البيئة- أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال -هذا هو الإسلام. ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال. فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده، فوق تفريقه لقومه وعشيرته. فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي .. في كل بيت وفي كل محلة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت