الصفحة 24 من 306

وهذا كله وهم باطل وظن بالله غير الحق والأمر ليس كذلك وها هو ذا سبحانه وتعالى يُحذّر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن .. إنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذين يسارعون فيه وإذا كان يعطيهم حظًا في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه ... إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء فإنما هي الفتنة وإنما هو الكيد المتين وإنما هو الاستدراج البعيد (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) وهكذا يتكشّف أن الابتلاء من الله نعمة لا تُصيب إلا من يريد الله به الخير فإذا أصابت أولياءه فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم ... ولو وقع الابتلاء مترتبًا على تصرفات هؤلاء الأولياء فإنما هناك الحكمة المُغيبة والتدبير اللطيف وفضل الله على أوليائه المؤمنين .. وهكذا تستقر القلوب وتطمئن النفوس وتستقر الحقائق الأصلية البسيطة في التصور الإسلامي الواضح المستقيم .. وقد شاءت حكمة الله وبرّه بالمؤمنين أن يميزهم عن المنافقين الذين اندسّوا في الصفوف فيبتليهم الله بسبب تصرفاتهم وتصوراتهم ليميز الخبيث من الطيب من هذا الطريق ... (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فالله لن يدع الصفّ المسلم مختلطًا غير مميز يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ومظهر الإسلام بينما قلوبهم خالية من بشاشة الإيمان ومن روح الإسلام .. والله يريد من الأمة المسلمة أن تؤدي دورًا كونيًا كبيرًا ولتحمل منهجًا إلهيًا عظيما ولتنشئ في الأرض واقعًا فريدًا ونظامًا جديدًا ... وهذا الدور الكبير يقتضي التجرّد والصفاء والتميز والتماسك ويقتضي ألا يكون في الصف خلل ولا في بنائه دَخل ... وكل هذا يقتضي أن يُصهر الصف ليُخرج منه الخبث وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة وأن تُسلّط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر ... لذلك يرسم لنا القرآن الكريم منهج هذا الدين ويُحدد لدعاته الطريق ..

1 -إن في طبيعة هذا الدين الذي هو المنهج الإلهي للحياة البشرية، وفي طريقته في العمل في حياة البشر حقيقة أولية بسيطة ولكنها كثيرًا ما تنسى، ولا تُدرك ابتداء، فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: في حقيقته وفي واقعه التاريخي في حياة الإنسانية، وفي دوره أمس واليوم وغدا ...

إن بعضنا ينتظر من هذا الدين ما دام هو المنهج الإلهي للحياة البشرية أن يعمل في حياة البشرية بطريقة سحرية خارقة دون اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أية مرحلة من مراحل نموهم وفي أية بيئة من بيئاتهم. وحين يرون أنه لا يعمل بهذه الطريقة، وإنما هو يعمل في حدود الطاقة البشرية، وحدود الواقع المادي للبشر وأن هذه الطاقة وهذا الواقع يتفاعلان معه فيتأثران في فترات تأثرًا واضحًا، أو يؤثّران في مدى استحابة الناس له، وقد يكون تأثيرهما مضادًا في فترات أخرى فتقعد بالناس ثقلة الطين وجاذبية المطامع والشهوات دون تلبية هتاف الدين أو الاتجاه معه في طريقه اتجاهًا كاملًا .. حين يرون هذه الظواهر فإنه يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها -ما دام هذا الدين من عند الله- أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بحدية المنهج الديني للحياة وواقعيته أو يصابون بالشك في الدين إطلاقا. وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد هو عدم إدراك طبيعة هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت