الصفحة 218 من 306

إن النفاق هو صورة تمثل التقلب بين اتجاهين. وإن الإنسان لا يملك أن يتجه إلى أكثر من أفق واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهج واحد. وإلا نافق واضطربت خطاه (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) . وما دام لا يملك إلا قلبًا واحدًا. فلا بد أن يتجه إلى إله واحد، وأن يتبع منهجًا واحدًا. وأن يدع ما عداه من مألوفات وتقاليد وأوضاع وعادات. قلب واحد. فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة والوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق، ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه. ولا يمكن للإنسان أن يستمد أخلاقه وآدابه من معين ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر. ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث. ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع. فهذا الخليط لا يكون إنسانًا له قلب، إنما يكون مزقًا وأشلاء ليس لها قوام. وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقًا، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيرًا كان هذا أم كبيرًا .. لا يملك أن يقول كلمة أو يتحرك حركة أو ينوي نية أو يتصور تصورًا، غير محكوم في هذا كله بعقيدته. إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه. لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد .. لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعله فعله: فعلت كذا بصفتي الشخصية، وفعلت كذا بصفتي الإسلامية. إنه شخص واحد له قلب واحد، تغمره عقيدة واحدة. وله تصور واحد للحياة وميزان واحد للقيم. وتصوره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه في كل حالة من حالاته على السواء. وبهذا القلب الواحد يعيش فردًا، ويعيش في الأسرة ويعيش في الجماعة ويعيش في الدولة ويعيش في العالم. ويعيش سرًا وعلانية، ويعيش عاملًا وصاحب عمل، ويعيش حاكمًا ومحكومًا. ويعيش في السراء والضراء. فلا تتبدل موازينه ولا تتبدل قيمه. وما تتبدل تصوراته (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ومن ثم فهو منهج واحد. وطريق واحد. ووحي واحد. واتجاه واحد. وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين، ولا يخدم سيدين. ولا ينهج نهجين. ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئًا من هذا إلا أن يتمزق ويتمزق ويتحول إلى أشلاء وركام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت