الصفحة 2 من 306

فلا بد من دعوة تخرج الناس من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة، وإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك. واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد. الذل الذي يجني هامة إنسان لعبد مثله .. لا بد من دعوة ..

وأول ما يجب على الدعاة عمله هو معرفة الضعف الذي يصيب المسلمين اليوم -أو بتعبير أصح الذين يدعوه الإسلام- ثم بعد ذلك إصلاح هذا الضعف للنهوض وحمل الأمانة في الأرض من جديد وليعلم الدعاة إلى هذا الدين أن مكمن الضعف والخطر الكبير الذي يواجه المسلمين اليوم هو تكوين أفراد المسلمين أنفسهم، والضعف الذي مني به شبابهم .. وأكبر النوائب أن يصاب الفرد بنفسه. ذلك أن معالجة أي خطر مكنة ميسرة حينما تكون تربية الأفراد تربية قوية تستطيع أن تجابه المصاعب وتصمد للحودادث. أما إذا فقدت هذه التربية فهناك الطامة الكبرى، وهناك تتوالى المصائب وتتضاعف المصاعب.

ومن عادة الضعيف أن يلقي أسباب ضعفه على عوامل خارجية يدعي أنه لا يملك التصرف فيها ليسوغ لنفسه ولغيره ما هو فيه. ولقد تعودنا أن نفعل ذلك وأن نلقي تبعات ما نحن فيه من ضعف وتقصير على الاستعمار أولا. وعلى الماضي ثانيا. وعلى مجتمعنا ثالثا. ولا يخطر ببال أحدنا أن يجعل ضعفه هو مركز الاهتمام.

والقرآن الكريم يجعل مركز الثقل في الإنسان نفسه فيبين جل شأنه في كلمة صارمة جازمة أن العامل الأساسي في الضعف هو الإنسان نفسه يقول سبحانه وتعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) ويبين الله تعالى بشأن بني النضير الذين غلبوا من قبل المسلمين أنهم (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) وكان ذلك من قبل أنفسهم (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ولم يؤت هؤلاء من النقص في ذخيرتهم أو عددهم أو حصونهم. ولكنهم أوتوا من قبل أنفسهم .. قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" (ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم .. وليقذفن الوهن في قلوبكم. قالوا يا رسول الله ما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت) وهذا الحديث يخبر عن سنة عميقة من سنن الاجتماع. تبين ما تنتهي إليه الجماعة حين تفسد فطرتها وتملأ الدنيا قلوب أفرادها .. فالأسباب الحقيقية لكل انحطاط هي داخلية لا خارجية. فيجب أن لا تلوم العواصف حين تحطم شجرة نخرة. ولكن اللوم على الشجرة النخرة نفسها .. والقرآن الكريم يهدي إلى هذه السنة ويبين للناس أن انحطاط الأمم وما يقع عليها من ظلم واضطهاد مرجعه إلى الإنسان نفسه وما كسبت يداه. لذلك نجد التعبير بظلم النفس يتكرر في مواطن كثيرة في القرآن الكريم قال الله تعالى (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .. وفي الحديث القدسي: ( .. فمن وجدًا خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) .. وحتى الشيطان ليس لنا أن نلومه قال الله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) .."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت