الصفحة 193 من 306

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) . ولله الحكمة البالغة: فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات، يقوى عودها، ويطيعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذي يتصدون لها -مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق- هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة، وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم. فلا يبقى بجوارها إلا العناصر القوية المؤمنة المتجردة التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغي بها وجه الله تعالى. ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة تسلك طرفًا ممهدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل ووقعت البلبلة والفتنة. ولكن بروز الخصم والأعداء للدعوات هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتمًا مقضيًا ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودًا، فلا يكافح ويناضل ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادّون المؤمنون، الذي يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع وأعراض الحياة الدنيا، بل على الحياة نفسها، حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها، ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودًا وأشدهم إيمانًا وأكثرهم تطلعًا إلى ما عند الله واستهانة بما عند الناس. عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء. وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها واجتازوا امتحانها وبلاءها، أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته ..

وإن التجارب والابتلاءات تعلم الدعاة كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور. والذي يقع غالبًا أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم ماضون في طريقهم. قالت الكثرة المتفرجة. أوشعرت، أنه لا يمسك أًصحاب الدعوة على دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن .. وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح على الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة. وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجًا في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع .. من أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدوًا من المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدرة من قبل ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله .. إنها الهداية إلى الحق والانتهاء إلى النصر (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت