الصفحة 187 من 306

وهذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلًا ندركها ونتدبرها، ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير. وإن النصوص القرآنية تغفل أسماء الأشخاص، وأعيان الذوات، لتصور نماذج البشر، وأنماط الطباع. وتغفل تفصيلات الحوادث وجزئيات الوقائع، لتصور القيم الثابتة والسنن الباقية. هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث ولا تنقطع بذهاب الأشخاص ولا تنقضي بانقضاء الملابسات، ومن ثم تبقى قاعدة ومثلًا لكل جيل ولكل قبيل. ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص، ويظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره اللطيف. ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير .. ومع أنه كان يقص القصة على الذين عاشوها وشهدوا أحداثها، فإنه كان يزيدهم بها خبرًا، ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه، وهم أصحابها وأبطالها، ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر. ويكشف النور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور .. إن النص القرآني معدّ للعمل لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب. ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك وفي كل تاريخ. معد للعمل في النفس البشرية إطلاقًا، كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة والبيئات المنوعة، بنفس القوة التي عمل بها في الجماعة الأولى، ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة، هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة، وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها. تنتفض خلائق حية موحية دافعة دافقة تعمل في واقع الحياة وتدفع بها إلى حركة حقيقية في عالم الواقع وعالم الضمير.

وهناك نموذج من الناس مكرور في كل جيل يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة. بظنها صفقة في سوق التجارة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت