ففي معترك الحياة ومصطرع الأحداث تنمو الشخصية المسلمة وتصاغ. ويومًا بعد يوم وحدثًا بعد حدث تنضج هذه الشخصية وتنمو، وتتضح سماتها .. كانت الجماعة المسلمة الأولى التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة، وطابعها المميز بين سائر الجماعات .. وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانًا بين سائر الجماعات .. وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانًا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب. تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف، وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطًا مجهول القيم .. وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه فتنكشف المواقف والمشاعر والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار. ويلمس فيها موضع التأثر والاستجابة، ويربيها يومًا بعد يوم وحادثًا بعد حادث، ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد. ولم يترك المسلمون لهذا القرآن يتنزل بالأوامر والنواهي وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة، إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات والفتن والامتحانات فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجًا صحيحًا، ولا تصح ولا تستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية التي تحفر في القلوب وتنقش في الأعصاب وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته، وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة ساخنة بحرارة الابتلاء. قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة.
ولقد كانت فترة عجيبة حقًا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فترة اتصال السماء بالأرض اتصالًا مباشرًا ظاهرًا مبلورًا في أحداث وكلمات، ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه، وأن كل كلمة منه وكل حركة. بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفًا للناس يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحين كان كل مسلم يحس الصلة مباشرة بينه وبين ربه، فإذا حزبه أمر أو واجهته معضلة انتظر أن تفتح أبواب السماء غدًا أو بعد غد ليتنزل منها حلّ لمعضلته. وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا، وأضمرت كذا، وأعلنت كذا وكن كذا، ولا تكن كذا، ويا له من أمر هائل عجيب. يا له من أمر هائل عجيب أن يوجّه الله خطابه المعين إلى شخص معين. هو وكل من على هذه الأرض وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض ذرة صغيرة في ملكه الكبير.
لقد كانت فترة عجيبة يتملاها الإنسان اليوم ويتصور حوادثها ومواقفها وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال، ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي، وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير ..