إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده، ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر. بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله .. ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأرجائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء -مخالفة لشرع الله وأمره. إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته، ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله في أخص حقيقتها .. وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتمييع، وهم لا يحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان .. والأصنام .. ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة .. فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها، وضمان دينونتهم له من خلالها .. إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر .. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها، يتمتم حولها بالتعاويذ والرقي .. ثم ينطق باسمها بما يريد هو، وهو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها .. فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان، ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال .. فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها .. إذا رفعت القومية شعارًا، أو رفع الوطن شعارًا، أو رفع الشعب شعارًا، أو رفعت الطبقة شعارًا ... ثم أُريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله، وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض. بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نُحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه، ونفذت إرادة تلك الشعارات -أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات- كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله .. فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة إنما يكون الصنم مذهبًا أو شعارا. إن الإسلام لم يجيء لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية. ولم تبذل فيه تلك الجهور الموصولة، من موكب الرسل الموصول، ولم تُقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب .. إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة .. ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيدًا أم شركًا؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام.