الصفحة 152 من 306

الجاهلية حين تحس بالخطير الحقيقي الذي يتهددها من دعوة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله. ومن تمرد على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله، ثم بالخطر الجدّي من التجمع الحركي العضوي الذي أنشأته الدعوة. تنتفض الجاهلية وينتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدّد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه ..

وهذا الشأن الطبيعي الذي لا مفرّ منه، كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله للعالمين في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد، وكلما تمثلت الدعوة الإسلامية في تجمع حركي جديد يتبع في تحركه قيادة جديدة ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض .. عندئذ يتعرّض كل فرد في التجمع الإسلامي للأذى والفتنة بكل صنوفها إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان، وعندئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا كل من ندر نفسه لله وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في أغلب الأحيان ..

بذلك يتكون للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر، فأما العناصر التي لم تحتمل الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى. ويجب أن يكون هذا الأمر مكشوفًا معروفًا للدعاة: إن الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام هو الدخول في هذا الطريق الشائك الخطر .. هذه هي قاعدة الدعوة في كل زمان وفي كل مكان .. ولقد اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة، ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين من الأنصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت