إن الأمد حين يطول على الأمم تقسوا قلوبها وتنحرف أجيال منها. وإن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة، ستصادفها فترات تمثل فترات من حياة بني إسرائيل، فجعل الله سبحانه أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومُجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة، نماذج من العقابيل التي تلمّ بالأمم، يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته ..
ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت. فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزّها وينفض عنها الركام لجدّته عليها، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة. فأما القلوب التي نوديت من قبل، فالنداء الثاني لا تكون له جدّته، ولا تكون له هزته، ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف وإلى الصبر الطويل.
كذلك إن طبيعة الذين طال عليهم طول العبودية والذل والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت لطبيعة صعبة على الدعاة. تبدو عليها أعراض الالتواء والاحتيال والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة .. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا. والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع، لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئًا .. إنها الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة ..
وإنه ليقع حينما يشتد الظلم ويفسد المجتمع وتختل الموازين ويخيم الظلام، أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعُرف ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه. بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم، ويُسمون من يدفع عن نفسه أو غيره (جبارًا في الأرض) ذلك أنهم ألِفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون، حتى وهموا أن هذا هو الأصل، وأن هذا هو الفضل. وأن هذا هو الأدب، وأن هذا هو الصلاح. فإذا رأوا مظلومًا يدفع الظلم عن نفسه، فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها .. إذا رأوا مظلومًا يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل، وَلْوَلوا ودُهِشوا وسَمّوا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكًا أو جبارًا، وصبّوا عليه لومهم ونقمتهم. ولم يجدوا للمظلوم عذرًا من ضيقه بالظلم الثقيل .. إنهم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه فمردوا عليه واستكانوا. والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفّن ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع والاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس واستنقاذ قوم كهؤلاء شاقّ عسير ..
وإن متاعب كل صاحب دعوة يواجه نفوسًا طال عليها الأمد لكبيرة جدا. وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت. وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليه، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيها ..
إن جهد صاحب الدعوة في مثل هذه الحال لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفًا كذلك .. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة ..