الصفحة 146 من 306

وأن قصارى ما يفيده هؤلاء من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا إليه هم فعلا في أثناء الحركة. ومرة أخرى نكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلًا صحيحًا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي. ومرة أخرى نكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم وأشد فاعلية وأكثر انطباقا على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات الكاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس، قبل أن يكون هؤلاء الناس مشتغلين بالفعل بحركة واقعية، وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري. فإذا صحّ هذا في أصل النظرية فهو أصح بطبيعة الحال فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثّل فيه التصور الإسلامي، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام. إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يستعجلون خطوات المنهج الإسلامي، كذلك هي تتعمّد أحيانًا أن تُحرجهم فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن تفصيلات ومن مشروعات؟ وهي في هذا تتعمد أن تعجلهم عن منهجهم، وأن تجعلهم يتجاوزون مرحلة بناء العقيدة، وأن يحولوا منهجهم الرباني عن طبيعته التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة، ويتحدّد فيها النظام من خلال الممارسة، وتُسن فيها التشريعات في ثنايا مواجهة الحياة الواقعية بمشكلاتها الحقيقية.

ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة. من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم. من واجبهم ألا يستخفهم من لا يوقنون. ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج وأن يستعلوا عليها، وأن يتحركوا بدينهم وفق منهج هذا الدين في الحركة. فهذا من أسرار قوته، وهذا هو مصدر قوتهم كذلك ..

إن المنهج في الإسلام يساوي الحقيقة ولا انفصام بينهما .. وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية. والمناهج الغربية الغربية يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية، ولكنها لا يمكن أن تحقق نظامنا الرباني .. فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة، وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية، لا في الحركة الإسلامية الأولى كما يظن بعض الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت