الصفحة 145 من 306

يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين أنه كما أن هذا الدين دين رباني، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك متواف مع طبيعته، وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل، ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين كما أنه جاء ليغير التصور الاعتقادي ومن ثم يغير الواقع الحيوي فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الفكري والحركي الذي يبني به التصور الاعتقادي ويغير به الواقع الحيوي جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصًا به بنفس الدرجة التي ينشىء بها تصورًا اعتقاديًا وواقعًا حيويًا. ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص وتصوره الاعتقادي وبنائه الحيوي، فكلها حزمة واحدة.

فإذا عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى. إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين إلا به .. إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب. ولكن وظيفته كانت أن يغير طريقة تفكيرهم، وتناولهم للتصور والواقع، ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة.

ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني والحياة الربانية إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك. منهج أراد الله أن يقيم منهج الناس في التفكير على أساسه ليصحّ تصورهم وتكوينهم الحيوي ..

ونحن حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه نظرية للدراسة نخرج عن طبيعة المنهج الرباني للتكوين وعن طبيعة المنهج الرباني للتفكير. ونخضع الإسلام لطرائق التفكير البشرية .. كأنما المنهج الرباني أدنى من المناهج البشرية، وكأنما نريد أن نرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد .. والأمر من هذه الناحية يكون خطيرا والهزيمة تكون قاتلة.

إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا نحن أصحاب الدعوة الإسلامية منهجًا خاصًا للتفكير نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض والتي تضغط على عقولنا وتترسب في ثقافتنا .. فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا الدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية، وحرمنا أنفسنا من فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا .. والأمر من هذه الناحية يكون خطيرا والخسارة تكون قاتلة ..

إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي، ولا ينفصل عنه كذلك .. ومهما يخطر لنا أن نقدم ذلك التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا يننشئ (الإسلام) في الأرض في صورة حركة واقعية. بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلًا بحركة إسلامية واقعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت