الصفحة 141 من 306

ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا أنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين في أوطان كانت في يوم من الأيام دارًا للإسلام يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته، ثم إذا هذه الأرض، وإذا هذه الأقوام تهجر الإسلام حقيقة وتعلنه إسمًا. وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادًا وواقعًا، وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادًا. فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا الكون والمتصرف فيه، وأن الله وحده هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله، وأن الله وحده هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله، وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله بهذا المدلول، فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد. كائنًا ما كان اسمه ولقبه ونسبه، وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله بهذا المدلول، فهي أرض لم تدنّ بدين الله، ولم تدخل في الإسلام بعد .. وفي الأرض أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين، وهم من سلالات المسلمين، وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام دارًا للإسلام ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله بذلك المدلول ولا الأوطان اليوم تدين لله بمقتضى هذا المدلول .. وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام، أشقّ ما تعانيه هذه الحركات، هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله، ومدلول الإسلام في جانب، وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر. أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين وطريق المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين، والتباس الأسماء والصفات، والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق.

ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة، فيعكفون عليها توسيعا وتمييعا وتلبيسا وتخليطا، حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام .. تهمة تكفير المسلمين، ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم، لا إلى قول الله، ولا إلى قول رسول الله. هذه هي المشقة الكبرى، وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل .. يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله سبحانه باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مهادنة، وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف وألا تقعدهم عنها لومة لائم، ولا صيحة صائح. انظروا؟ إنهم يُكفّرون المسلمين .. إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدعون. إن الإسلام بيّن والكفر بيّن. الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله بذلك المدلول. فمن لم يشهدها على ذلك النحو، ومن لم يقمها في الحياة على هذا المدلول فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين المجرمين .. (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) .. أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة، وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله، لا تصدّها شبهة، ولا يعوقها غبش، ولا يميعها لبس. فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم (المسلمون) وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم (المجرمون) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت