الصفحة 120 من 306

ولكن الدعوة إلى الله لا بد أن تمضي في طريقها كما أراد الله لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة ولو صغرت فانحصرت في قلب واحد ينطوي على قبس من نور الله ويتصل بروح الله. إن هذا الموكب المتصل من الرسل والرسالات من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد عليه أزكى اسلام لينبئ عن استقرار إرادة الله على اطراد الدعوة إلى حقيقة الإيمان الكبيرة، وعلى قيمة هذه الدعوة وقيمة الحصيلة. وأقل نسبة لهذه الحصيلة هي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوب الدعاة أنفسهم حتى يلاقوا الموت وما هو أشد من الموت في سبيلها، ولا ينكصون عنها، وبهذا يرتفعون على الأرض كلها وينطلقون من جواذبها ويتحررون من ربقتها، وهذا وحده كسب كبير أكبر من الجهد المرير، كسب للدعاة وكسب للإنسانية التي تشرف بهذا الصنف منها وتكرم. وتستحق أن يُسجِد الله الملائكة لهذا الكائن الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء ولكنه يتهيأ بجهده هو ومحاولته وتضحيته لاستقبال قبس من نور الله كا يتهيأ لأن ينهض وهو الضعيف العاجز لتحقيق قدر الله في الأرض وتحقيق منهجه في الحياة ويبلغ من الطلاقة والتحرر الروحي أن يضحي بالحياة ويحتمل من المشقة ما هو أكبر من ضياع الحياة لينجو بعقيدته وينهض بواجبه في محاولة لإقرارها في حياة الآخرين وتحقيق السعادة لهم والتحرر والارتفاع وحين يتحقق لروح الإنسان هذا القدر من التحرر والانطلاق يهون الجهد وتهون المشقة، وتهون التضحية، ويتوارى هذا كله لتبرز تلك الحصيلة الضخمة التي ترجح الأرض والسماء في ميزان الله ..

ويجمع الله في الطريق أسرة النبوة كلها في ندوة واحدة تتلقى من ربها حديثًا واحدًا ترتبط بها أرواحها وقلوبها وتتصل به طريقها ودعوتها. ويحس المسلم الأخير أنه فرع من شجرة وارفة عميقة الجذور (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) . إنه وحي واحد ورسالة واحدة وعقيدة واحدة. وإنه كذلك استقبال واحد من البشرية وتكذيب واحد واعتراضات واحدة ثم هي بعد ذلك وشيحة واحدة وشجرة واحدة وأسرة واحدة وآلام واحدة وتجارب واحدة وهدف في نهاية الأمر واحد .. وطريق واصل ممدود. أي شعور بالأنس والقوة والصبر والتصميم. توحيد هذه الحقيقة لأصحاب الدعوة السالكين في طريق سار فيها من قبل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأي شعور بالكرامة والاعتزاز والاستعلاء على مصاعب الطريق وعثراتها وأشواكها وعقباتها، وصاحب الدعوة يمضي وهو يشعر أن أسلافه في هذا الطريق هم تلك العصبة المختارة من بني البشر أجمعين. إنها حقيقة (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ) ولكن أي آثار هائلة عميقة يُنشئها استقرار هذه الحقيقة في نفوس المؤمنين. وهذا ما يصنعه القرآن وهو يقرر مثل هذه الحقيقة الضخمة ويزرعها في القلوب ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت