والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله، أي إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكية إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة، ولا توجد فعلًا، ولا تُعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جليًا حقيقيًا، يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم. ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله. لا يقصون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها من عند أنفسهم بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه، وحكم هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يُبلغهم إياه، وهو رسول الله، وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول، شهادة أن محمدًا رسول الله، هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثّل فيها الإسلام ويقوم عليها، وهي تُنشئ منهجًا كاملًا للحياة، حين تُطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية، في داخل دار الإسلام وخارجها، وفي علاقاته بالمجتمع المسلم، وفي علاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى ..
ولكن الإسلام لم يكن يملك أن يتمثل في نظرية مجردة ليعتنقها من يعتنقها اعتقادًا، ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فإن وجودهم على هذا النحو مهما كثر عددهم لا يمكن أن يؤدي إلى وجود فعلي للإسلام، لأن الأفراد المسلمين نظريًا الداخلين في التركيب العضوي للمجتع الجاهلي سيظلون مضطرين حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية. سيتحركون طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده. وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تُهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد المسلمين نظريا سيظلون يقومون فعلا بتقوية المجتمع الجاهلي الذين يعملون نظريًا لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد، وسيعطونه كفايتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى، وذلك بدل أن تكون حركتهم في اتجاه تفويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي ... ومن ثم لم يكن بدّ أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى .. لم يكن بُدّ أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام الغاءه، وأن يكون محور هذا التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته، وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي، ومن قيادة ذلك التجمع في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة ومن إليهم، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي وقي قيادته المسلمة.