الصفحة 115 من 306

إن طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري تستهدف الإسلام .. إسلام العباد لرب العباد، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة ..

وفي هذا جاء الإسلام جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله، كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس، فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتها هي السلطة التي تنظم وجوده. والناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم وحياته وموتهم، كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها وهم لا يملكون تغيير سنة الله بهم في هذا كله، كما أنه لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتُصرفه .. ومن ثم ينبغي أن يعودوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة تنسيقًا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري وتنسيقًا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني ..

وليعرف الدعاة إلى هذا الدين أن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني، والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري. هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده. والتي واجهها الداعية العظيم محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته، والتي يواجهها الدعاة في كل زمان وفي كل مكان. إن هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في نظرية مجردة، بل ربما أحيانًا لم تكن لها نظرية على الإطلاق، إنما كانت متمثلة في تجمع حركي، متمثلة في مجتمع خاضع لتصورات وقيم ومفاهيم ومشاعر، وتقاليد وعادات، وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل، والتكامل والتناسق، والولاء والتعاون العضوي الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك بإرادة واعية أو غير واعية للمحافظة على وجوده، والدفاع عن كيانه، والقضاء على عناصر الخطر التي تُهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أي صورة من صور التهديد. ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في نظرة مجردة، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو، فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية وردّ الناس إلى الله مرة أخرى لا يجوز ولا يجدي شيئًا أن تتمثل في نظرية مجردّة، فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي فضلا على أن تكون متفوقة عليها، كا هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وفي جزئياته ... بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمّع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت