ثانيًا: معاصرته للثورة الفرنسية
فقد شهد الطهطاوي أحداث ثورة الشعب الفرنسي 1830م على الملك شارل العاشر ..
حيث عاش الطهطاوي أحداث هذه الثورة ونزل في شوارع باريس وسجل غضب الجماهير وتحركاتهم المسلحة، ووصف انتصاراتهم ضد السلطة الحاكمة، وتكلم عن السلطة الثورية المؤقتة التي أقاموها في الأحياء.
"هذه هي ثورة 1830 التي عاشها رفاعة الطهطاوي يومًا بيوم ومسه منها لهيب أشعل قلبه وأضاء عقله، وعلمه أن الحرية جوهرها مرادف انساني".
وفي هذا الوصف المثير صور رفاعة الطهطاوي كيف استولى الشعب في باريس على الأوتيل دي فيل وهي دار البلدية، وكيف خرج الحرس الوطني للدفاع عن الشعب، وكيف رفع الفرنسيون من جديد التريكولور - أي العلم المثلث الألوان - على الكنائس، والمباني العامة. وهو علم الثورة الفرنسية الذي كانت الملكية قد ألغته بعد سقوط نابليون وعودة الحكم إلى البوربون وكيف انضم الجيش إلى الثوار، وكيف انتهى الأمر بعزل شارل العاشر وطرد ولي العهد إلى إنجلترا، وبتولي لافاييت رئاسة الحكومة المؤقتة وبعودة لويس فيليب، دوق أورليان، ليكون وصيًا على العرش ثم إعلانه ملكًا على الفرنسيين، بعد أن أقسم يمين الولاء للدستور.
فأسباب ثورة 1830 كما شرحها رفاعة الطهطاوي لمثقفي جيله تتلخص في شئ واحد وهو الأوتوقراطية أو الحكم المطلق.
وقد تجلت أوتوقراطية شارل العاشر في خرقه دستور 1818 مرتين: مرة بتمسكه بوزارة بولينياك التي أقالتها الأغلبية البرلمانية ولجوئه إلى إصادر سلسلة من القوانين غير الدستورية دون الرجوع إلى البرلمان، وأمره بفرض الرقابة على المطبوعات وبمصادرة حرية الصحافة وحرية التعبير بوجه عام"."
أقول: هذه الثورة التي يشيد بها الطهطاوي ثورة الححادية معدية لأي دين، قامت للقضاء على الرابطة الدينية لدى الشعوب المسيحية، وأكدت على عبادة الفرد والمصلحة وإطلاق العنان لرغبات الفرد وقد أدت إلى تفسخ المجتمع الواحد وتفرق الناس شيعًا وأحزابًا ووقع المجتمع في فوضى وتناحر نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المشاعر التي كان يوحدها الدين.
فالشيخ الطهطاوي أعجبه بريق الحرية التي نادت بها الثورة الفرنسية وحالة الأمن والرخاء المادي في المجتمع الفرنسي ولم يسبر غور مبادئ الثورة الفرنسية وأسباب اندلاعها ومن وراء أحداثها فهو لم يفهم من الحرية معناها الواسع الذي عنته الثورة الفرنسية وهي ثورة لا دينية، بل هي ثورة معادية للدين، وأصبع الماسونية وأثر الصهيونية العالمية فيها واضح مشهور.
لم يفهم الطهطاوي الحرية في ذلك المعنى اللاديني الواسع الذي يشمل حماية القانون لكل الأعمال والأقوال التي تهز القيم الدينية والأعراف الإجتماعية.
وتجاهر بمخالفتها وتسفيهها، والتي تنشر الفوضى وتفرق الجماعة بالتشكيك فيما يلتقي عليه الناس من عقائد وقيم، والتي تطلق للشهوات العنان لأنها لاترى أن على الدولة التزامًا دينيا أو خلقيًا.