الصفحة 10 من 58

نلاحظ أن الذي أوصل الطهطاوي إلى هذا التأويل الفاسد والفهم السقيم هو انطلاقه من مقدمة مادية فاسدة فكانت النتيجة فاسدة بالتبعية لأنه كان أسير التفسير المادي للظواهر والأحداث التاريخية. هكذا بشر الطهطاوي الأمة الإسلامية بدين الغرب الجديد وبقوانين الغرب وأخلاقهم!! ونتيجة خلطة الطهطاوي لأهل فرنسا وعلمائها وانبهاره بقوانينهم وسلوكياتهم، نراه يتأثر بالتفسير المادي في قراءة الأحداث التاريخية، فلاعجب إذن أن ينظر الطهطاوي إلى اعتداء فرنسا على الجزائر من منظور مادي، فالخلافات التجارية والمشاحنات المالية مع التكبر والتعاظم هو سبب الإعتداء!! وتغاضى الطهطاوي عن الباعث الحقيقي للعدوان الفرنسي وأغفل الجانب العقدي وأسقط من قاموسه التحليلي الحرب المقدسة أو الجهاد في سبيل الله.

ومن ثم تواصى العلمانيون الجدد بنهج روادهم الأوائل وساروا على نفس الدرب المادي؛ فمراكز الدراسات المنتشرة في ربوع البلاد العربية والإسلامية تسير على نفس الأنموذج؛ التحليل المادي للأحداث الجارية في العالم الإسلامي كالجهاد في فلسطين والشيشان والحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي وخلاصة أبحاثهم التي أنفقوا عليها الأموال الطائلة، ناهيك عن الوقت والجهد؛ تدندن حول التفسير المادي سواء عن عمد أو شبه عمد؛ فتارة هذا الجهاد نتيجة على حد زعمهم لظروف اقتصادية وحالة الفقر وانتشار البطالة وعدم تداول السلطة، وتارة حالة رد فعل لهزيمة 1967 وتارة لحب الظهور هذا في حالة إذا وجدوا أن القائمين على الجهاد ليسوا فقراء أو عاطلين!! وتحليلات ساذجة أن وراء هذا الجهاد دولًا أجنبية تمول الشباب القائمين على هذا الجهاد بالمال!! وهناك تحليلات لا حصر لها تدور في فلك المنظومة الغربية أو السلطوية وتصب في قناة التحليل المادي.

وتصداقًا لما نقول عندما اجتاحت القوات الشيوعية السوفيتية أفغانستان عام 1979م خرجت علينا العلمانية العربية الحمراء! تطل برأسها وتقول إن سبب دخول القوات الشيوعية استجابة لطلب رئيس دولة أفغانستان فدخل السوفييت لمساعدة دولة صديقة!! أما العلمانية البيضاء! إن سبب الإحتلال هو الوصول إلى المياه الدافئة وتأمين حدود الإتحاد السوفياتي من القوات الإمريكية .. إلخ.

وقس على ذلك مشكلة المسلمين في البوسنة وكوسوفا وجنوب السودان والقوقاز وكشمير وبورما: مشاكل عرقية وتداخلات جيوسياسية ... تحليلات ماأنزل الله بها من سلطان!! وضاعت بلاد الإسلام بسبب هذه التحليلات المادية المتعمدة وتم تمييع القضايا وكاد أن يختفي من قاموسنا الشرعي الجهاد في سبيل الله كل ذلك نتيجة هذا السرطان العلماني الذي هيأ المناخ لهذه المصطلحات الدخيلة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت