الصفحة 99 من 103

(ملحق رقم 4) نص رسالة السلطان غازان إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون [1]

بسم الله الرحمن الرحيم

بقوة الله تعالى

وميامين الملة المحمدية

فرمان السلطان محمود غازان

ليعلم السلطان الملك الناصر، أنه في العام الماضي بعض عساكرهم المفسدة دخلوا أطراف بلادنا، وأفسدوا فيها لعناد الله وعنادنا كماردين ونواحيها، وجاهروا الله بالمعاصي فيمن ظفروا به من أهليها وأقدموا على أمور بديعة وارتكبوا آثاما شنيعة من محاربة الله وخرق ناموس الشريعة، فأنفنا من تهجمهم وغرنا، من تقحمهم وأخذتنا الحمية الإسلامية فجذبتنا إلى دخول بلادهم ومقابلتهم على فسادهم، فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجهنا بمن اتفق منهم أنه حاضر، وقبل وقوع الفعل منا واشتهار الفتك عنا سلكنا سنن سيد المرسلين، واقتفينا آثار المتقدمين وافتدينا بقول الله (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجي جماعة من القضاة والأئمة الثقات وقلنا (هذا نذير من النذر الأولى أزفت الأزفة ليس لها من دون الله كاشفة) فقابلتم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليكم وعلى المسلمين بالإضرار، وخالفتم سنن الملوك، في حسن السلوك، وصبرنا على تماديكم، في غيكم وخلودكم إلى بغيكم إلى أن نصرنا الله وأراكم في أنفسكم قضاة (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللّهِ) وظننا أنهم حيث تحققوا كنه الحال، وآل بهم الأمر إلى ما آل أنهم تداركوا الفارط من أمرهم ورتقوا ما فتقوا بغدرهم ووجه إلينا وجه عذرهم فإنهم ربما سيروا إلينا حال دخولهم إلى الديار المصرية، رسلا لإصلاح تلك القضية فبقينا بدمشق غير مثحثحين وتثبطنا تثبط المتمكنين فصدهم عن السعي في صلاح حالهم التواني وعلقوا نفوسهم عن اليقين بالأماني ثم بلغنا بعد عودنا إلى بلادنا أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوام، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، إنهم فيما بعد يلقوننا على حلب والفراه، وإن عزمهم مصر على ذلك لا سواه فجمعنا العساكر وتوجهنا للقاهم ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم وقلنا لعل وعساهم، فما لمع لهم بارق، ولا ذر شارق، فقدمنا إلى أطراف حلب وعجبنا من تبطيهم غاية العجب وفكرنا في أنه متى تقدمنا بعساكرنا الباهرة، وجموعنا العظيمة القاهرة، ربما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، وعم الضرر العباد، والخراب البلاد، فعدنا بقيا عليها ونظرة لطف من الله إليها. وها نحن الآن مهتمون بجمع العساكر المنصورة ومشحذون غرار عزائمنا المشهورة ومشتغلون بصنع المجانيق وآلات الحصار، وعازمون بعد الإنذار (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وقد سيرنا حاملي هذا الكتاب الأمير الكبير ناصر الدين علي خواجا والإمام العالم ملك القضاة جمال الدين موسى ابن يوسف وقد حملناهم كلاما شافهناهما به فلتثقوا بما تقدمنا به إليهما فإنهما من الأعيان، المعتمد عليهما في الديوان كما قال الله تعالى (فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) فلتعدوا لنا الهدايا والتحف فما بعد الإنذار من عاذر، وإن لم تتداركوا الأرض فدماء المسلمين وأموالهم مطلولة بتدبيرهم، ومطلوبة عند الله في طول تقصيرهم.

(1) القلقشندي: صبح الأعشى جـ8 ص69 - 71، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص1016 - 1018.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت