وحين قام جماعة من الغوغاء بضرب الشيخ ابن تيمية حين رأوه وحيدا بجامع مصر، هب لنجدته أهل الحسينية بعد أن سمعوا بالخبر وقالوا له لو أمرتنا بهدم مصر كلها لفعلنا فسألهم الشيخ لأي شيء فقالوا له لأجلك. فقال هذا ما يحق، فقالوا نذهب لمن آذوك فنقتلهم ونخرب بيوتهم فنهاهم الشيخ عن ذلك، وحين أكثروا من الكلام قال لهم الشيخ:"أما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله، فإن كان لي فهم في حل منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله، فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء، فوافقوه على ما أراد وتبعه خلقه كثير إلى الجامع لحمايته حتى ازدحمت الطرقات [1] ."
وأمثال ذلك كثير من محبة العامة للشيخ مما لا يمكننا أن نحصيه مهما حاولنا، وذلك قليل في حق ابن تيمية فقد كان هو أيضًا كثير المحبة للناس يعود مريضهم، وينفق على محتاجهم، ويزيل الأذى عنهم فقد كان رحمه الله يخصص يوما في الأسبوع لزيارة المرضى في المارستان [2] ، يدعو لهم ويرفع من معنوياتهم، ويدفع لهم نفقات تعينهم كل بحسب حاجته [3] .
كما كان يعطي المحتاجين قبل أن يسألوه بما يتيسر له وإن لم يكن معه شيء كان ينزع ثوبا من على جلده ويدفعه إليه ويقول له بعه بما تيسر وأنفقه، مع الاعتذار له لكونه لم يكن عنده نفقة [4] ، وأمثال إيثاره للناس بما عنده كثيرة مما لا يسعها المقام مما زاد تعلق العامة به ومحبتهم له.
(1) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص286 - 287.
(2) بيمارستان نور الدين محمود زنكي، بناه بدمشق. أنظر: البزار: الأعلام العلية ص40.
(3) البزار: الأعلام العلية ص57.
(4) البزار: الأعلام العلية ص57، البيطار: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ص12 - 13.