الصفحة 8 من 105

زعموا أنهم مجددون وعندهم زُبْد الصدور، بل: هو رُبْدها وضيقها، ضلال وإضلال لو كُتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، إبداع لكنه لا يرد يد لامس، لغته شرقية، وغربية، وفارسيّة، خليط عجيب من ذلك كله، الجهل متفرق ومشتت فيهم، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، حداثة متبرجة، وحضارة خليعة، وعدالة معطَّلة، وتهم بلا بينة، وأحكام بلا جريمة، وتبعية للغرب واليهود خسيسة، وأقلام مأجورة، وصحافة مبذولة، (ما دامت عقولهم كيس الدراهم) فلا شماتة ولا اعتراض، اللهم لا حسد، فهم معاقون عقليًا، إسهال في الفكر وشر في المخبر، يعاظلون [1] الكلام ويتبعون حواشيه ووحشيَّه، زلة الأقلام قبل زلة الأقدام، (لا تحبق فيهم عنزان) [2] .

فيومهم بلا غد، وأرضهم بلا سماء، وعملهم بلا خاتمة، وسعيهم بلا نتيجة، (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا) [3] ، و (الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) [4] ، و (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد) [5] .

وما أجدرهم بقول الزمخشري:

زمانٌ كلُّ حِبٍّ فيه خِبُّ ... وطعْم الخِلِّ خَلٌّ لو يُذاقُ ...

له سوق بضاعته نفاق ... فنافق فالنفاق له نَفاق [6]

أخنى عليهم الدهر [7] ، برأيهم الفجّ، وجهلهم الذي يتلجلج، ورأينا فيهم أبلج،"فلا بد للشبهات أن ترفع رأسها في بعض الأوقات، وإن كانت مدموغة، وللباطل جولة وللحق صولة، والدجالون كثير، ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج على مثل سكة السلطان) [8] ."

ولله در القائل:

إذا لم تكن للحق أنت فمن يكون ... والناس في محراب لذات الدنايا عاكفون [9]

وصدق الأستاذ العقاد حين قال: (كثيرًا ما يكون الباطل أهلًا للهزيمة، لكنه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه) [10] ،"وكل أمر مرهون بوقته، هذه جمل يسيرة، وهي غيض من فيض، وكأن القائل عناه حين قال:"

ما كلام الأنام في الشمس إلا ... أنها الشمس ليس فيها كلام

مثل هؤلاء الكتاب من أمثال أخينا الشيخ تركي البنعلي، لو كان البخاري حيًا لجعلهم من رجاله، ومن الطبقة الأولى، وأخونا تركي ستكون-إن شاء الله-بدايته مشرقة، وعنوان حسن الخاتمة، وبداية غيره من (المتفرنسين) محرقة، وعنوان سوء الخاتمة، والعبرة بالخواتم، فآراؤه وأبحاثه ونقوله في هذا الجزء المفيد تحفة وقِمَّة في مقامات التحرير والتقرير، اغترف من بحر الرسالة النبوية، وسيعترف الخصم بدرره، وسيذعن المتفرنسون لغرره وطرره وأسلوبه رغمًا عنهم:

وما الفضل إلا ما أقرت به العدا ... لصاحبه والشمس لا تَتَسَتَّرُ

(1) -انظر: (15/ 381) .

(2) -انظر: (الأغاني) (15/ 381) ، و (البيان والتبيين) (2/ 15) ، أو: (تحبق فيه عَناق) . حبق من باب: ضرب: أي: ضراط. والعناق: كسحاب: الأنثى من أولاد المعز، يضرب المثل في الأمر لا يعبأ به، والثأر لا يدرك، ولفظه عند الميداني: (لا تحبق في هذا الأمر عناق حولية) . والحولية: التي أتى عليها الحول.

(3) -سورة الفرقان، الآية رقم: (23) .

(4) -سورة النور، الآية رقم: (38) .

(5) -سورة إبراهيم، الآية رقم: (21) .

(6) قالت أم الفضل-عفا الله عنها-: ("له نَفاق"بفتح النون، أي: له رواج) .

(7) -قالت أم الفضل-عفا الله عنها-: ("أخنى علهم الدهر"، أي: أهلكهم وأتى عليهم) .

(8) -انظر: (صيد الخاطر) (ص:140) ، مع أخذ الحيطة والحذر مما فيه من تأويل الصفات، وبعض شطحات ابن الجوزي-فيه-القبيحة ..

(9) انظر: (صلاح الأمة في علو الهمة) (1\ 24) .

(10) -انظر: (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) (ص:316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت