الصفحة 48 من 105

من المعلوم أن اللغة العربية قوية في ذاتها قوة معنوية، وكانت في زمن الخلافة إضافة إلى قوتها المعنوية قوية قوة مادية .. فهذا الإمام ابن حزم الأندلسي-رحمه الله-يرى أن العربية استمدت قوتها من قوة الدولة الإسلامية، إذ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في أماكنهم، أو: بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يُقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها.

وأما من تَلِفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واستقلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون فيهم موت الخاطر [1] . (الإحكام في أصول الأحكام) (1/ 32) .

فلما كان الحكم الإسلامي رائدًا، والقضاء بما أنزل الله سائدًا، انتشرت لغتنا في ربوع العالمين، وصدرناها إلى غيرنا من الأعجمين، حتى أصبح أهل أوروبا يتفاخرون بتعلم لغتنا، ويتباهون بالتكلم بها .. حتى ضاق الأمر على أربابهم، مما دعاهم إلى مناصحة شعوبهم؛ قال"ألفارو" ( Alvaro) في القرن التاسع الميلادي:"إن إخواني المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها، بل: لتعلم أسلوب عربي بليغ."

واأسفاه إنني لا أجد اليوم علمانيًا يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو: حتى الإنجيل؛ بل: إن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علمًا ولا أدبًا ولا لغة إلا اللغة العربية، ذلك أنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف، ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقت الذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها ... لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم، ولن تجد بين الألف منهم واحدًا يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية ..". (حضارة الإسلام لجرو ينباوم) (ص:81 - 82) ، و (أثر الحضارة العربية في أوروبا لزيغريد هونكه) (ص:529) ."

(1) -قال المأسور في سبيل عقيدته أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي المغربي: (هذا فيه نظر، لأن اللغة العربية هي: اللغة التي لم تنهر بانهيار الدولة الأموية، اللغة التي لا يضيع مستقبلها بضياع مستقبل الدول، وفي مثل هذا يقول(الشهيد) سيد في كتابه: (المستقبل لهذا الدين) : إن انتصار الصليبيين في الأندلس وانتصار اليهود في فلسطين .. أعظم شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فإنه لا تبقى لغته ولا قوميته بعد اقتلاع الجذر الأصيل ...

إن المماليك-وهم من جنس التتار-حموا من التتار بلاد العرب، مع أنهم ليسوا من جنس العرب، فصمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين دفاعًا عن الإسلام، لأنهم كانوا مسلمين، صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية، وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم-يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-الذي قاد التعبئة الروحية وقاتل في مقدمة الصفوف، وكذلك حمى صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة من اندثار العروبة والعرب واللغة العربية وهو كردي لا عربي .. وهو إنما حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين، لقد كان الإسلام في ضمير صلاح الدين هو الذي كافح الصليبيين، كما كان الإسلام في ضمير المظفر قطز والظاهر بيبرس والملك الناصر هو الذي كافح التتار المتبربرين). انظر: (مجلة البحوث الإسلامية) (1/ 95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت