الصفحة 9 من 105

وهذا الجزء أسلوبه منسجم مع ما تصبوا إليه النفوس، يشعرك أن الأقلام الحرة النقية بدأت تخط نقولًا تنقطع عندها المعاذير، سفره هذا يستوجب أن يكتب بذوبان الذهب، بل: بسواد العين، وهذه ميزة تكاد تنطبق على كافة آرائه فيه، لأن آراءه ليست اعتباطية أو: استعراضية، فستبلغ ما بلغ الليل والنهار، ومن نظر في هذا الجزء بإمعان وإنعام، وتأمل وقلة غفلة سيرى ما رأيت، فهو: (أسير من مثل) :

ما أنت إلا مثل سائر ... يعرف الجاهل والخابر [1]

سفر: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) [2] ، ومن حاك في صدره شيء منه فليكن في القول لا في العمل، فهو صاروخ عربي أصيل أرسل على رؤوس آباء رغال عصرنا، اسمه: (العتاب ... ) وصدق من قال: (بلاد المسلمين حُبلى وستلد الإلحاد يومًا ما، وبلاد الكافرين حبلى وستلد الإسلام يومًا ما) [3] .

قد وقفنا على فوائد جليلة، وفرائد عظيمة، وشوارد قيمة، وقواعد نادرة، وشرحها أمر يطول، وباب لا يغلق ولن يغلق إلى قيام الساعة، وهو مفيد لكنه: (على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى) [4] ، وبهذا السفر المبارك أحرز المؤلف قصب السبق، وحاز المعلى والرقيب، وسبر معاني اللغة بالمسبار القوي [5] ، وأنا في التعليق عليه: (كَمُبْضِع تمرٍ إلى هَجَر) ، أحْدُو في هوامشه ومالي بعير، وأمد القوس في تخريجه وماله وتَر، وأتجشأ في تصحيحه من غير شبع، و (إذا صح الأثر بطل القياس والنظر) [6] ، و (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) ، و (من لغا فلا جمعة له) .

(1) قالت أم الفضل-عفا الله عنها-: (يقال: رجل خابر، أي: عالم بالخبر) . انظر: (العقد الفريد) (3/ 3) .

(2) -سورة إبراهيم، الآية رقم: (26) .

(3) -وقال محمد عبد-حين ذهب إلى الغرب، وشاهد النهضة العلمية والصناعية، والالتزام بالنظام، والنظافة، والوفاء بالوعد ...: (لقد تركت هنا مسلمين بلا إسلام، وتركت هناك إسلامًا بلا مسلمين) ، وقال شيخه جمال الدين الإيراني الأفغاني: (أكبر حجاب بين أوربا والإسلام هم المسلمون) . انظر: (نقل النديم وسلون الكظيم) (ص:300) . لشيخنا العلامة محمد بوخبزة-حفظه الله-، و (إتحاف الطالب ... ) (ص:360) .

(4) -قالت أم الفضل-عفا الله عنها-: (اقتباس من حديث أم زرع، أخرجه الإمام أحمد في:(المسند) (8/ 154/رقم:4701) ، والبخاري في كتاب النكاح من: (صحيحه) ، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، (رقم:5189) ، ومسلم في مواضع من: (صحيحه) (رقم:2448) ، في كتاب فضائل الصحابة، باب: ذكر حديث أم زرع، ورواه ابن المديني في: (تسمية من روى عنه من أولاد العشرة) (رقم:143) ، والترمذي في: (الشمائل) (رقم:251) ، ومن طريقه البغوي في: (شرح السنة) (9/ 169/رقم:2340) ، وغيرهم كثير).

(5) -يقال: يسبر المعاني بالمسبار، وهو: شيء من فتيل، أو: آلة توضع في الجرح ليتعرف غوره، وقد توسع فيها حتى شملت كل ما يتعرف به على الخفي الغامض: داءً أو: غيره. انظر هامش:"شفاء التبريح ...""ص:774"، و (روضة الأزهار في رسائل الأخيار) (ص:66) ، وقد قلت في هامش: (الإتحاف) (ص:284) : (وقد وضعوا المسبار ليعرفوا آخر الغور) .

(6) -انظر: (الجامع لأحكام القرآن) (3/ 54/55) للقرطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت