الصفحة 69 من 105

رابعًا: بعض ما تميزت به اللغة العربية عن غيرها:

إن اللغة العربية أمتن تركيبًا، وأوضح بيانًا، وأعذب مذاقًا .. قال ابن خلدون: وكانت المَلَكة [1] الحاصلة للعرب من ذلك أحقّ الملكات وأوضحها بيانًا عن المقاصد. اهـ (مقدمة ابن خلدون) (ص:546) [2] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-بعد أن ذكر إجماع أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم .. وساق الأدلة على ذلك ثم قال: وسبب هذا الفضل-والله أعلم-ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم، وأخلاقهم وأعمالهم.

وذلك أن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح [3] ،

(1) -قال المأسور في سبيل عقيدته أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي المغربي: (وقد بدا لي أن أعرف الملكة بعد أن غصت في كتب اللغة والآداب، فقلت: الملكة هي: كيفية راسخة في النفس تسير أعمال صاحبها مطلقًا وأقواله على مقتضاها باطراد، في كل ما أراد، تمنع من قامت به من ارتكاب اللحن في أقواله، وطورًا في أفعاله، واللحن في الأفعال أقبح من اللحن في الأقوال) .

(2) -قال المأسور في سبيل عقيدته أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي المغربي: (والنسخة التي عندي من(المقدمة) (ص:603) ، الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي، من مطبوعات دار الجيل بيروت، فيها: (اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعلٌ لساني فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعلِ لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني اعني المضاف ومثل الحروف التي تفضي إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى ... ) .

(3) -قال المأسور في سبيل عقيدته أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي المغربي: (انظر:(اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) (ص:160) ، تحت عنوان: (أسباب التفضيل: العلم النافع والعمل الصالح) ، وهذا تفضيل بتفصيل، قال العلامة المحقق ابن القيم-رحمه الله تعالى:: (الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة، أو: فاطمة أفضل، إذا حرر محل التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون(التفصيل) لا يستقيم.

فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة.

وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم، فلا ريب أن عائشة-رضي الله عنها-أعلم وأنفع للأمة، وأدت للأمة من العلم ما لم يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها.

وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل، لأنها بضعة من النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخوتها.

وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة.

وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما، فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل فأجاب فيها بالتفصيل الشافي:

فمنها: أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو: العكس، فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلهما أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة.

ومنها: أنه سئل عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين-رضي الله عنهما- أيهما أفضل؟ فأجاب بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها.

فتأمل هذا الجواب الذي لو جئت بغيره من التفضيل مطلقًا لم تخلص من المعارضة .. فعلى المتكلم في هذا الباب:

1 -أن يعرف أسباب الفضل أولًا.

2 -ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينهما ثانيًا.

3 -ثم نسبتها إلى من قامت به-ثالثًا-كثرة وقوة.

4 -ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعًا.

فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالًا لغيره، بل: كمال غيره بسواها، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا.

فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل.

وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعد من الهوى والغرض. وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصَّره الله: وهي أن كثيرًا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه غير سالم من هذا، وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى غيرها.

ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو: شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى:

وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته، والله الموفق) -انظر: (بدائع الفوائد) (3/ 161/164) ، و (منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين) (ص:17/ 38) ، و (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) (ص:32/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت