دخل أبو يوسف القاضي على الرشيد ومعه الكسائي، وهما في مُذاكرة وممازحة فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الكوفي قد غلب عليك! فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي وتأخذ بمجامعه. فقال الكسائي: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟! فقال: في نحوٍ أو: فقه؟ قال: بل: في فقه. فضحك الرشيد وقال: تُلقي على أبي يوسف الفقه! قال: نعم.
قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لزوجه: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدار؟ قال: إذا دخلت طلقت. قال: أخطأتَ يا أبا يوسف! فضحك الرشيد ثم قال: كيف الصواب؟ فقال: إذا قال"أنْ"وجب الفعل ووقع الطلاق، دخلت الدار بعد أو: لم تدخل، وإن قال"إنْ" [1] بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق حتى تدخل الدار. (حدائق ابن عاصم) (ص:374) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (واعلم أن اعتياد اللغة: يؤثر في العقل والخلق والدين، تأثيرًا قويًا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم: تزيد العقل [2] والدين والخلق.
(1) -قال المأسور في سبيل عقيدته ودينه عمر بن مسعود الحدوشي المغربي في كتابه: (التوضيحات الجلية لحل ألفاظ الأجرومية) (ص:87) تحت عنوان: (القضايا الشرطية لا تحقق لها ولا يجوز الاستدلال بها) : ( ... وأدوات الشرط هذه تنقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة، سوى الأقسام السابقة:
1 -منها: ما وضع لمجرد تعليق الجواب على الشرط، وهي ثلاثة: (إن بكسر الهمزة، وإذْما، وما) ،
2 -ومنها: ما وضع للدلالة على من يعقل ثم ضمن معنى الشرط، وهما اثنان: (مَن بفتح الميم، وما) ،
3 -ومنها: ما وضع لما لا يعقل ثم ضمن معنى الشرط، وهما اثنان: (ما ومهما) ،
4 -ومنها ما وضع للدلالة على الزمان ثم ضمن معنى الشرط، وهما اثنان: (متى، وأيان) ،
5 -ومنها ما وضع للدلالة على المكان ثم ضمن معنى الشرط، وهي ثلاثة: (أين، وأنى، وحيثما) ،
6 -ومنها ما وضع مترددًا بين الأربعة الأخيرة، وهي: (أَيُّ) فإنها بحَسَب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى زمان، أو: مكان كانت ظرفًا، نحو: (أيَّ يوم تذهب أذهب معك) ، وإن أضيفت إلى مصدر كانت مفعولًا مطلقًا، نحو: (أيَّ سير تسير أتبعك) ، وإن أضيفت إلى غير الظرف والمصدر فحكمها حكم (مَنْ) ، فقد تكون مبتدأً، نحو: (أيُّ رجل يَجِدُّ يسد) ، أو: مفعولًا به، نحو: (أيَّ كتاب تقرأ تستفد) ، ونحو ذلك.
7 -ومنها: ما وضع للحال ثم ضمن معنى الشرط، وهي: (كيفما) ، وقد جمع بعضهم بعض هذه التقسيمات في أبيات خمسة فقال:
يسائلًا عن أدوات الشرط ... فافهم لِما أقول فافهم بسطي ...
إنْ حرفٌ باتفاق إذْما للإمام ... وعند غيره للأسماء تُضم ...
مهما ومَن وما وكيفما اجعلا ... أساميًا غير ظروف مُسجَلا ...
وحيثما أنّى وأين للمكان ... متى وأيان وإذما للزمان ...
إذا في شعره لوقت تنسب ... أيُّ لما تضاف حقًا تُحسَب
(2) -قال المأسور في سبيل عقيدته ودينه عمر بن مسعود الحدوشي المغربي: (وقد سئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة؟ فقال:"العقل يأمرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأرفع". انظر:"أدب الدنيا والدين"(306) ... وقال ابن سلام:"حد المروءة مساعي البر، ورفع دواعي الضر، والطهارة من جميع الأدناس، والتخلص من عوارض الالتباس، حتى لا يتعلق بحاملها لوم، ولا يلحق به ذم، وما من شيء يحمل على صلاح الدين والدنيا ويبعث على شرف الممات والمحيا، إلا وهو داخل تحت المروءة"-كما في:"عين الأدب والسياسة" (30) -وقال مسلمة بن عبد الملك:"مروءتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة". انتهى من (عيون الأخبار) (1/ 413) ، و (المروءة وخوارمها) (ص:29) ... ).