الصفحة 5 من 105

قال سهل بن هارون: (بلاغة اللسان رفق، والعِيُّ خُرق) [1] ، ويحذر وينبه كأنه منذر جيش من عدو قادم اسمه: رواد الثقافة الوافدة من الغرب، وفَيْلَقٌ وفئام وشرذمة وكُرْدوس أصحاب: (التسمم المعلوماتي) الرائدة السائدة الآن في إعلامنا الخليع الذي يحب أن تشيع الفاحشة والخنا في الذين آمنوا، (القناة الأولى والثانية-عندنا بالمغرب-نموذجًا) ، ومدارسنا التي تعلم أبناءَنا لغة البلاعة-بالعين-وتحارب لغة البلاغة، من غير ذكر مقدمات وما ينعكس منها وما لا ينعكس، ذئاب غادرة، وخصومة الأصاغر للأكابر في الإعلام حاضرة، ووثنية جائرة، وأضرحة معبودة، وأمراض يختلف علاجها باختلاف السن والزمان والمكان، والعادة والوباء ثائرة، يومًا (زكام الدجاج) ، وطورًا: (زكام الخنازير) ، و (الجرثومة الخبيثة-والله إن الخبيث بل: أم الخبائث هو من يحارب شرع الله، ويسجن المتوضئين) ، وطورًا: (زكام المعز) ، وقبلها: (فقدان المناعة) ، و (السيلان) ، و (السرطان) ، ولا واحد منهم يقول: يا عباد الله هذه الأمراض-وغيرها كثير-سلطها الله علينا بسبب معاصينا ومحاربتنا لشرع الله وأهله، وهذه الأمراض لم تكن فيمن سلف، فلنراجع أنفسنا، ونعقد الصلح مع ربنا، قال عمر بن عبد العزيز-رحمه الله-: (تحْدُثُ للناس أقضيةٌ بقدر ما أحدثوا من الفجور) ، والله لقد وصل المغرب إلى درجة من التفسخ والعري وقلة الحياء الفاضح لا تطاق حتى أصبحنا نُصَدِّر العاهرات والمومسات إلى بلاد أخرى، وإلى الله المشتكى من هؤلاء المجرمين الذين يحمون الفساد بقوة القانون الفاسد، واللائحة طويلة والحبل إلى جرائمهم جرار ولكن:

أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي

فر من المجذوم فرارك من الأسد، مرض محمول على التخيل بالبصر، ويتطرق إلى الفعل والنظر، وفي ذلك ما يدخل اللبس على لغتنا الأم، لغة القرآن والسنة والأثر، عند أصحاب العقول الضعيفة والأشرار، حاشا الحكام المجاهدين الأخيار.

قال الحافظ ابن الجوزي-رحمه الله تعالى- [2] : (تدبرت أحوال الأخيار والأشرار، فرأيت سبب صلاح الأخيار النظر، وسبب فساد الأشرار إهمال النظر ... فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل، ولو تأملوا كيف أنشئ، ولماذا جعل حافظًا للأبدان، لعرفوا حقائق الأمور) [3] .

ولا يلام العدو إذا تجنَّى على لغتنا العربية القُحَّة الأصلية الأصيلة الفصيحة حكامنا!!، نعم، إن كان زعماؤنا!! وحكامنا!! وعلماؤنا!! لغتهم السائدة في مجالسهم ومؤتمراتهم ومؤامراتهم لغة المستعمر الغاصب فلا لوم على (المستشرقين والمستغربين وأذنابهم) ، ولله در القائل:

بنو الإنسان ينتظرون فجرًا ... بليل الوهم يخترق الضبابا ... ? ...

وقد لاحت أشعته وضاءً ... وإرهاصاته انطلقت شهابًا ... ? ...

غدًا تمشي الشعوب على هداه ... ونور الله يحدوها ركابا

والأمر فيهم كما قال القائل:

فدعي القادة في أهوائها ... تتفانى في خسيس المغنم ...

أمتي كم صنم مجدته ... لم يكن يحمل طهر الصنم ...

لا يلام الذئب في عدوانه ... إن يكن الراعي عدو الغنم

وكما قال آخر:

فقل للأعور الدجال هذا ... زمانك إن عزمت على الخروج

(1) -انظر: (البيان والتبيين) (1/ 43) .

(2) -قال الذهبي: (لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة بل: باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه) . ولابن الجوزي ترجمة حافلة في (السير) ، و (البداية والنهاية) (13/ 28) ، و (العبر) (4/ 297) ، انظر: حاشية (توضيح الأفكار) (1/ 150 - مسألة 13: في بيان القسم الثاني: وهو الحديث الحسن) . وهي النسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية. انتهى من كتابي: (إمداد السقاة بدلو الرواة) (ص:116) ، و (الإتحاف) (ص:317) .

(3) -انظر: (صيد الخاطر) (ص:336/ 337) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت