الصفحة 4 من 105

وقد قال المعتزلي الأديب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [1] في كتابه: (البيان والتبيين) : (وكان سهل بن هارون يقول:"سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقّي على الدواء أشدُّ من الدواء") [2] .

سفر جمع الفرائد والشوارد اللغوية، و (البلاغة التي تبرز المعاني في حُلة زاهية، وصورة وضاءة) ، وهو: (كُنَيِّف مُلئ علمًا) [3] ، لو رأيتني وقت قراءتي لهذا السفر الجميل وأنا أنظر كل مرة إلى ما بقي من صفحاته خوفًاَ أن ينتهي بسرعة، لأن من الكتب من تقرأُها وتدعو الله أن يتمها بسرعة، ومن الكتب من تدعو الله أن لا تنتهي بسرعة، ومن هذا الصنف كتاب أخينا الشيخ أبي سفيان، أشتهي أن لا يسكت قلمه، فقد أصاب كبد الحقيقة في أصل هذا الموضوع واختياره، قد جمع الهدوءَ والتمهمل، والجزالة والحلاوة، والطلاوة والنقاوة، طبَّق الْمَفصل [4] ، وأغنى عن المفسِّر، وفلَّ الْمحَزَّ، وأصاب المفصِل، وجعل كلامه في: (عتابه) موزونًا متزنًا مثل التوقيع، بلوغ وإبلاغ وتبليغ وبلاغة [5] .

(1) -قال الحافظ الذهبي في: (السير) (11/ 256) ، في ترجمة الجاحظ الأديب الفصيح البليغ المعتزلي: (العلامة المتبحر ذو الفنون .. وكان أحد الأذكياء ... وكان ماجنًا قليل الدين، له نوادر، له نوادر، ويظهر من شمائله أنه كان يختلق، ولقد كفانا المؤونة، فما روى من الحديث إلا النزر اليسير، ولا هو بمتهم في الحديث، بلى في النفس من حكاياته ولهجته، فربما جازف، وتلطخه بغير بدعة أمر واضح، ولكنه أخباري علامة، صاحب فنون وأدب باهر، وذكاء بيِّن، عفا الله عنه) . وقال أيضًا في: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (5/ 1194/1196/رقم:346) : (وكان واسع النقل كثير الاطلاع، من أذكياء بني آدم وأفرادهم وشياطينهم. وقال أبو العباس ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون) . انظر هامش: (جامع بيان العلم وفضله) (1/ 146/147/رقم:150) . و (ذاكرة سجين مكافح) (2/ 114) .

(2) -انظر: (البيان والتبيين) (1/ 197) .

(3) -كما قال عمر بن الخطاب في حق ابن مسعود-رضي الله عنهما-: (كنيف ملئ علمًا) . والأثر إسناده صحيح، رواه ابن سعد، وأبو نعيم، انظر: (سير أعلام النبلاء) (1/ 491) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (4/ 67) . وكنيف: تصغير كنيف وهو الوعاء، وقال هذا نظرًا لصغر جسمه ورقة ساقيه-وهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد-مع أنه من أعلم أصحابه.

(4) -قالت أم الفضل حرم المحقق شيخنا عمر الحدوشي-فرج الله عنه-: طبق المفصل: أصابه إصابة محكمة فأبان العضو من العضو، انظر: (عيون الأخبار) (2/ 274) ، و (البيان والتبيين) (1/ 106) .

(5) -قالت أم الفضل حرم المحقق شيخنا عمر الحدوشي-فرج الله عنه-: قال إسحاق بن حسان بن قوهي:"لم يفسِّر البلاغةَ تفسيرَ ابن المقَفَّع أحدٌ قط، سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحيُ فيها، والإشارة إلى المعنى-أبلغ- والإيجاز هو البلاغة ...".

وقال بعضهم: لا يكون الكلام يستحق اسمَ البلاغة حتى يسابقَ معناه لفظَه، ولفظُهُ معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك ... انظر: (البيان والتبيين) (1/ 115/116) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت