ومن لم يسعه هذا فليراجع (حديث:899 في:"الصحيحة"المجلد الثالث) ليتبين له أهمية تتبع طرق الحديث والشواهد، وأن مجرد مجيء الحديث بإسناد ضعيف لا يستلزم أن الحديث في نفسه ضعيف غير محفوظ) [1] .
وتعجبني بهذه المناسبة كلمة رائعة وقفت عليها في: (سير أعلام النبلاء) [2] هذا نصها: (قال يحيى بن سعيد(هو القطان الإمام) : لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد) [3] .
وقال أيضًا في: (السلسلة الضعيفة) (2/ 139) :("فائدة هامة": قال ابن الجوزي عقب الحديث:"قلت: كنت قد سمعت هذا الحديث في زمن الصبا [4] فاستعملته نحوًا من ثلاثين سنة لحسن ظني بالرواة، فلما علمت أنه موضوع تركته، فقال لي قائل: أليس هو استعمال خير؟ قلت: استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا، فإذا علمنا أنه كذب خرج عن المشروعية".
أقول: وإذا خرج من المشروعية فليس من الخير في شيء، فإنه لو كان خيرًا لبلغه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أمته، ولو بلغه، لرواه الثقات، ولم يتفرد بروايته من يروي الطامات عن الأثبات.
وأن فيما حكاه ابن الجوزي عن نفسه لعبرة بالغة، فإنها حال أكثر علماء هذا الزمان ومن قبله، من الذين يتعبدون الله بكل حديث يسمعونه [5] من مشايخهم، دون أي تحقّق منهم بصحته، وإنما هو مجرد حسن الظن بهم. فرحم الله امرأً رأى العبرة بغيره فاعتبر) .
ومن هذه الناحية أيضًا ما ذكرته في: (شفاء التبريح في شرح ألفاظ التجريح) (ص:1199) ، تحت: فائدة في بيان أن التصحيح والتضعيف بالذوق خرافة صوفية؟.
التصحيح أو: التضعيف بالذوق والكشف خرافة صوفية قال الألباني-رحمه الله تعالى-في تعليقه على كتاب: (إزالة الدهش) للقادري (124) :(قلت: لا اعتداد عند علماء الشريعة بالذوق في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وإنما المرجع في ذلك إلى قواعد علم الحديث ومعرفة أحوال الرواة.
ألست تراهم قد اتقفوا على أنه لا يثبت عندهم حكم شرعي بمجرد الذَّوْقِ، فكيف يثبت به ما الحكم الشرعي لا يثبت إلا به ألا وهو الحديث؟! ونحو هذا يقال في التجربة أيضًا، وكذلك الكشف).
(1) -انظر: (السلسلة الصحيحة) (4/د/525/رقم:1901) .
(2) -انظر: (سير أعلام النبلاء) (9/ 188) .
(3) -انظر: (الصحيحة) (6/ القسم الأول 40 رقم:2509) ، انتهى كلام الألباني بتصرف يسير مني.
(4) -قال المأسور من أجل عقيدته عمر بن مسعود الحدوشي-عفا الله عنه وفرج عنه-: (وأنا ذلك الرجل، كنت زمن الصبا أحفظ المتون الفقهية والأصولية والنحوية والبلاغية والحديثية وكنت أكثر من مطالعة:(نزهة المجالس ... ) ، و (دقائق الأخبار ... ) ، و (بدائع الزهور ... ) ، و (وصية أبي هريرة) ، حتى حفظت هذه الكتب عن ظهر قلب، فكان الناس يجتمعون ويتحلقون حولي بعد صلاة العصر، والمغرب بحي بوجراح بتطوان، وأرض الدولة ببني مكادة طنجة لأحدثهم فكنت أحدثهم والناس يتعجبون من حفظي مع صغر سني، وكان سني آنذاك 14 سنة أو: أقل.
وبعد أن منَّ الله علي بطلب العلم، وعلمت أن هذه الكتب التي كنت ألقي بها الدروس عبارة عن خزانة كبيرة للموضوعات، والتراهات والخرافات والخزعبلات، قررت أن أخبرهم بأن ما كنت أقول لهم وأحدثهم به غير صحيح، وبدأت معهم"الأربعون النووية"، و (بلوغ المرام) ، و (موطأ مالك) ، فاقتنعوا، والحمد لله الذي أنقذني وإياهم من براثن الموضوع والباطل).
(5) -قال المأسور من أجل عقيدته عمر بن مسعود الحدوشي-عفا الله عنه وفرج عنه-: (حتى سمعنا من يقول:"إن لم يكن في عمل فاضل فكن في عمل مفضول") .