الصفحة 28 من 105

ثم من المحال أن يجرح الألباني العدل بكلام المجروح، الرافضي المرفوض، والجهمي المجهول، فالجرح للعدل الذي يشهد بعدالته العالم كله حاشا المبتدعة، من جارح مجروح ساكنان لا يلتقيان، ولست بصدد الرد هنا على تناقضاته التي يتلجلج فيها، فالحق أبلج.

وأبلغ الرد عليه السكوت-وأما قولهم: (صحة السند [1] لا يلزم منه صحة الحديث أو: المتن) فالمقصود منه صحة السند في الظاهر، أي: وبعد جمع الطرق اتضح لنا في السند شذوذ وأوهام، فلو قيّدت هذه العبارة بالظاهر لكان أولى، ويكون الصواب في هذه العبارة: (لا يلزم من صحة السند في الظاهر صحة المتن أو: الحديث) .

لأن السند الذي فيه شذوذ وَوَهَمٌ ليس صحيحًا في الحقيقة، والشذوذ علة تقدح في الصحة، والشاذ من جملة الضعيف والله أعلم [2] .

قال الشيخ المحدث الألباني-رحمه الله-في: (الصحيحة) (4/د) : (تقرر في(علم المصطلح) : أنه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن لاحتمال أن يكون لهذا الضعيف متابع يتقوى به، أو: يكون للحديث شاهد يعتضد به.

(إلى أن قال) : قد يكون إعلال الحديث بالراوي الضعيف، إنما هو اعتماد على قول مرجوح في تضعيف قاله بعض أئمة الجرح والتعديل، ويكون هناك من وثقه ويكون توثيقه هو الراجح ... الخ) [3] .

وقال-رحمه الله تعالى- [4] : ( ... ونحن على الصحة التي تقتضيها صحة الإسناد، لا نخرج عنها إلا بحجة بينة) .

وقال أيضًا [5] : (ابن حزم نظر إلى ظاهر السند فصححه، وذلك مما يتناسب مع ظاهريته، أما أهل العلم والنقد، فلا يكتفون بذلك بل: يتبعون الطرق ويدرسون أحوال الرواة، وبذلك يتمكنون من معرفة ما إذا كان في الحديث علة أو: لا، ولذلك كان معرفة علل الحديث من أدق علوم الحديث، إن لم يكن أدقها إطلاقًا ... ) .

فائدة هل يلزم من ضعف السند ضعف المتن:

وقد سألتني أم الفضل قائلة: شيخنا الفاضل-فك الله أسرك-: (مقرر في علم المصطلح:(أنه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن) لماذا؟.

الجواب: لاحتمال أن يكون لهذا الضعيف متابع يتقوى به، أو: يكون للحديث شاهد يعتضد به. وهذه حقيقة يعلمها كل من مارس هذا العلم وكان حافظًا واسع الاطلاع على المتون والأسانيد والشواهد، ذا معرفة بالرواة وأحوالهم، مع الدأب والصبر على البحث والنقد النزيه، وتجدين-أم الفضل-هذه الحقيقة في كتب العلامة المحدث الألباني كلها، وبخاصة السلسلة الصحيحة، وبالأخص المجلد الرابع، ويتجلى ذلك للقارئ بصورة سريعة جلية برجوعه إلى الفهرس (أ-المواضيع والفوائد) .

وقد أكرمني الله بقراءة كتب المحدث الألباني كلها-أو: جلها-بالسجن المحلي بتطوان، وهذه نعمة عظيمة من الله تعالى أشكره عليها شكرًا يوافي نعمه ويكافي مزيده، على أنه قد يكون إعْلال الحديث بالراوي الضعيف، إنما هو اعتماد على قول مرجوح في تضعيفه قاله بعض أئمة الجرح والتعديل، ويكون هناك من وثقه ويكون توثيقه هو الراجحَ، فالتصحيح والتضعيف عملية علمية دقيقة، تتطلب معرفة جيدة بعلم الحديث وأصوله من جهة، وتحريًا وإحاطة بالغة بطرق الحديث وأسانيدها من جهة أخرى، وهذا أمر لا يستطيعه ولا يحسنه جماهير المشتغلين اليوم بتخريج الأحاديث ...

(1) -انظر: ما قال الألباني في (الإرواء) (6/ 57) . على عدم الاكتفاء بظاهر السند.

(2) -انظر: (إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة المصطلح والجرح والتعديل) (ص:158 وما بعدها) .

(3) -فائدة: تعدد الطرق الضعيفة بخرج الحديث عن الوضع. قال المحدث الألباني في تخريج أحاديث: (فضائل الشام) (ص:31) للربعي: (لا يخفى بعده عن القواعد الحديثية، فإن مجيء الحديث من عدة طرق ولو ضعيفة يخرجه عن الوضع) .

(4) -كما في (الصحيحة) (6/ 39) .

(5) -كما في: (الإرواء) (6/ 57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت