وأن وقعَه في نفوسهم أشد من وقع النبل ونُصِبَ له كرسي في المسجد،
كما وقع لي مع الكرفطي فإنني لما هجوتُه انتصارًا لله تعالى ولدينه ودفعًا للظلم عني، وأرسلتُ إليه قصيدتي (وقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ) وقامتْ قيامتُه ولم يستطع الرد إلا بسطور أرجأ فيها الأمر إلى القيامة والوقوف بين يدي الله، ثم انتفضَ عليه الجَرح الذي أصابتْه به أبياتي فنفَّسَ عن آلامه بهذه الأوراق التي قذَفَني فيها وسبَّني وسبَّ آبائي وأسلافي بالزور والباطل كاللواط والزنا وشرب الخمر، فكان في هذا كما قال زميله في الماضي [1] :
(1) -وقد سألت شيخنا العلامة محمد بوخبزة عن اسم زميل التليدي، واستفسرنه عن أشياء أخرى جاءت في كتاب: (نشر الإعلام) -أثبتها هنا-فأجاب-حفظه الله-قائلًا-بعد البسملة والحمدلة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه-والسؤال على الحال:"جناب الأخ الأستاذ الفاضل الداعية أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي المحترم-دام محفوظًا، وبعين العناية ملحوظًا- ... أما استفساركم فليس (الإعلام) بيدي الساعة على أني نسيتُ بعضَ ما ذكرته فيه لطول العهد، وترجمة الأخوين الصوفيين ابن تامة، وقد توفي-رحمه الله-وكان متضلعًا من النحو (وباب؟) من الأدب، له شعر إلا أنه كان متشبِّعًا بالفكر الصوفي، أما عبد الواحد أخريف، فما زال حيًا يُرزق وهو صوفي شاعر قصَر شعره في الغالب على مدح الحكام نسأل الله العافية، وهو شاعر يجيد أحيانًا، والشريفان المذكوران في هجاء الكرفطي هما: عبد الحي وعبد العزيز ابنا الصديق."
ومصطفى بلقات كان قاضيًا بطنجة وأحيل على المعاش وهو تطواني دَرَسَ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وبعد رجوعه تورط في القضاء، ورسالة الحسن بن الصديق عن الكرفطي تجدون صورتها طيه كالرسالة في تعبير رؤياه الخرافية، والدرقاوي التائب هو كاتبه لأن الأخ مصطفى باحّو رغب في شرح قصيدتي الرائية التي أعلنتُ فيها توبتي من التصوف والزاوية، فأذنت له بعد حذف اسمي اتقاءً لشر المذكورين فيها، والمراد بزميل الكرفطي في الماضي هو قائل ذلك البيت السائر:"وكنت فتى من جند إبليس الخ".
ولا أذكر اسمه الآن، ورسالة الغرباوي لا أدري مصيرها، والغرباوي توفي-رحمه الله-ولم يكن يحسن القراءة، وعلاقة الكرفطي بالمنصرين (المبشرين) بطنجة معروفة، وتعاونه معهم وقبضه المال منهم معروفة إلا أنها غير مدونة وكنت أستقي معلوماته من الحسن بن الصديق وهو الذي أخبرني بانتحار فرنسي منهم لما تبين له كذب الكرفطي عليه، ولا أعرف تفاصيل ذلك، والكرفطي كمشايخه الغماريين كانوا على صلة بالاستخبارات الفرنسية يتلقون منهم المال، وكان المجلس الدولي بطنجة يرسل (منحة) للشيخ عبد الله بمصر باعتبار أنه طالب علم وظل كذلك إلى أن انكشف أمره.
وكان الشيخ أحمد يقدم طنجة بلباس النساء وهو في معتقله بآزمور، فيخبر عبد العزيز الإدارة بمقدمه، والمقصود أن هذه الأمور معروفة عن القوم وأذنابهم، ثم إن اقتضى الحال يتظاهرون بالوطنية وبالجهاد، يَلبَسون لكل حال لَبوسها، وقد سالت أحدهم لماذا لا يسمي الملك في الخطبة فأجاب بأنه بدعة ولما اختطف محمد بن يوسف وأقيم مقامه محمد بن عرفة صليت الجمعة بالزاوية فسمى الخطيب نفسُه محمد بن عرفة، فتعجبت لتقلب القوم وتلونهم.
ومن العجائب انتماء عبد العزيز لحزب الاتحاد الاشتراكي وكتابته في جريدتهم: (الموقف) مقالات أخذها من"اشتراكية"مصطفى السباعي في الدعوة إلى الاشتراكية الإسلامية!! ولعل هذا الاضطراب داهم القوم من شربهم من ماء العين التي ذكرها الجغرافيون أن من شرب منها خف عقلُه وهي بطنجة ولعلني ألمحتُ بها من (صحيفة سوابق) فراجعها ... وإلى اللقاء والسلام، تطوان صباح يوم الثلاثاء 15 ذي الحجة 1428 هـ من أخيكم أبي أويس محمد بوخبزة).
وقد رجعت إلى: (صحيفة السوابق، وجريدة البوائق) (1/ 22) فوجدت فيه ما يلي حول العين التي أشار إليها شيخنا: (أما عن سلوكه و أخلاقه ووطنيته وثورته ضد الإسبان، فالحاضر(كبوخبزة) يرى ما لا يرى الغائب، فإن الشيخ كان منقلبًا، فهو مع الإسبان كغالب أقاربه ما داموا يُعطونه، وقد ذهب إلى إسبانيا ولقي الجنرال فرانكو مهنئًا بعد الحرب الأهلية فأهداه هذا سيارة، باعها بسبتة، وقد حدثتني حَماتي وهي شقيقته، أنه أقام مأدبة كبرى للحكام الإسبانيين اشترى لها خمسين صحنًا من الخزف الصيني الرفيع، وظل النساء يصنعن الحلويات أيامًا عدة لإطعام الكفرة المستعمرين، والغريب أنه لم يحضر لمأدبته المقيم العام، وإنما حضر الحكام المدنيون، وقد تمخضت تلك الحماقة التي زعمها جهادًا وحرب عصابات عن مآسي ذهب ضحيتها ناس، وعُذب ناس، ونالني من رشاشها، ولم يرض الشيخ الزمزمي بما يفعل شقيقه فهاجر إلى تطوان، أما حرصه على إحياء السنة، ومنها خُروجه حافيًا بطنجة فهو من آثار عين (برقان) التي ذكر المؤرخون أن من شرب منها اختل عقله).
قال في: (الروض المعطار) (1926) : وبخارج طنجة عين ماء طيب يسمونه: بَرقال، و يقال: إنه يحدث الحمق لشاربه، فهم يعرفون بذلك، فيقال لمن تهافت منهم: شربت ماء برقال، لا جناح عليك، وقال الشاعر:
بطنجة عين ماء وسط رمل ... لذيذ ماؤه كالسلسبيل ...
خفيف وزنه عذب، ولكن ... يطير بشاربيه ألف ميل