فإذا أصاب المجتهد دليلًا قويًا يحيل المعنى الظاهر عن ظاهره، ويعارضه، كان عليه أن يبين وجوه قوة ذلك الدليل ورجحانه على الظاهر، بوجه من وجوه الترجيح المعروفة في علم الأصول، وذلك لأن المعنى الذي يراد حمل الظاهر عليه هو معنى مرجوح.
ولكنه مضطر قبل ذلك لإثبات أن هذا المعنى الذي أفاده الظاهر ليس مقصودًا أصالة من النص، بل تبعًا، ويعرف -كما سبق- من سياق النص أو سبب النزول للآية أو سبب ورود الحديث الشريف (1)
مثال تأويل الظاهر:
لفظ البيع في قوله تعالى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } ( البقرة-275) فالبيع لفظ عام، وظاهر عمومه حل جميع أنواع البيوع، لأن ذلك هو المتبادر إلى عقل السامع، ولكن هذا الظاهر العام - مؤول
ومخصص بالأحاديث التي جاءت تنهى عن بعض أنواع البيوع التي كانت معروفة في الجاهلية مثل بيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه.
ومثال آخر:
قوله تعالى { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } (النساء -3) فإن ظاهر هذا
الإطلاق هو حل جميع أنواع الأنكحة، ولكن هذا الإطلاق مؤول ومقيد بالأحاديث التي جاءت تنهى عن صور معينة من الأنكحة كنكاح الشغار ونكاح المتعة ونكاح المحلل.
وبعد:
فإنه سيتبين في الباب الثاني عند الكلام على تأويلات المعاصرين للنصوص - ما كان منها ظاهرًا - أنها تأويلات باطلة مردودة لأن غالبيتها العظمى هي ترجيح لمعان بعيدة بدون مرجح أي بدون دليل معتبر. وأنها - اجتهاداتهم - دعوة إلى إهمال دلالة ظاهر الألفاظ التي دل عليها اللسان العربي، وهي عودة إلى الباطنية القديمة في ثوب جديد.
ثانيا: النص
(1) انظر: المناهج الأصولية ص47.