فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 528

المبحث الثالث:الركن الثالث: أدلة التأويل

والتأويل بما أنه صرف للفظ الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح في الأساس، كان لا بد له من دليل يوجبه كما تقدم ذلك مرارا، وهذا أمر متفق عليه، نص عليه وأبانه كل من تكلم في التأويل (1) ، وأبرزهم الإمام الجويني إذ أفرد بابا كاملا في كتابه البرهان للكلام على التأويل وشروطه وأدلته، ونصب أمثلة كثيرة على ذلك، ليبين كيف يسند المعنى المرجوح بالدليل القوي الراجح، وبين كثيرا من التأويلات الفاسدة لضعف أدلتها ومرجوحيتها.

وفي معرض بيانه -رحمه الله- لضرورة وجود دليل التأويل يقول"ثم إذا ثبت جواز التأويل، فلا يسوغ التحكم به اقتصارًا عليه، من غير عضد له بشيء، إذ لو ساغ ذلك، لبطل التمسك بالظواهر، واكتفى المستدَل عليه، بذكر تطرق الإمكان إلى الظاهر، وهذا إن قيل به يسقط أصل الاستدلال، ويلحق مجال الإجمال بما يطلب فيه العلم المحض" (2) .

وهو يريد أن مجرد تطريق الاحتمالات إلى ظواهر الألفاظ، من غير وجود أدلة تلزم بذلك، غير مقبول، لأن كثيرا من الالفاظ يحتمل أكثر من معنى ولو جاز لنا ذلك لما استقام لنا استدلال بنص، و من هنا نفهم القاعدة التي تقول"إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال"، أن المقصود به ليس مطلق الاحتمال بل الاحتمال الناشئ عن دليل، وهو الاحتمال الراجح أو المساوي على الأقل.

ولقد قطع الجويني بأن اشتراط اقتران التأويلات بأدلتها، مما لا خلاف فيه، وعلل ذلك بأن الظن الحاصل من ظاهر اللفظ الذي جاء به الوحي، ونصبه دليلا على مراده أرجح وأقوى من الظن الناتج عن الاحتمال الذي يقدره المؤول ويقيسه بظنه قال:

(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/74.

(2) البرهان في أصول الفقه 1/338.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت